اللجنة الدائمة للافتاء بالسعودية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للناس أجمعين، خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فغير خافٍ على كل من نَوَّرَ الله بصيرته من المسلمين، شدة عداوة الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم للمسلمين، وتحالف قواهم، واجتماعها ضد المسلمين؛ لِيرُدْوُهم وليلبسوا عليهم دينهم الحق، دين الإسلام، الذي بعث الله به خاتم أنبيائه ورسله، محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الناس أجمعين، وإن للكفار في الصد عن الإسلام وتضليل المسلمين، واحتوائهم، واستعمار عقولهم، والكيد لهم، وسائل شتى، وقد نشطت دعواتهم وجمعياتهم وإرسالياتهم، وعظمت فتنتهم في زمننا هذا، فكان من وسائلهم ودعواتهم المضللة بعث نشرة تُبعث للأفراد والمؤسسات والجمعيات عبر صناديق البريد، متضمنة هذه النشرة برامج دراسية عن طريق المراسلة، وبطاقة اشتراك بدون مقابل في كتب:"التوراة، والزبور، والإنجيل"، وعلى ظهر هذه النشرة مقتطفات من هذه الكتب.
هذا وإن من عاجل البشرى للمسلمين استنكار هذا الغزو المنظم، والتحذير منه بجميع وسائله، وكان من هذه المواقف المحمودة: وصول عدد من الكتابات والمكالمات إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء؛ آملين صدور بيان يقف أمام هذه النشرات، ويحذر من هذه الدعوات الكفرية الخطيرة على المسلمين، فنقول وبالله التوفيق:
منذ أشرقت شمس الإسلام على الأرض، وأعداؤه على اختلاف عقائدهم ومللهم يكيدون له ليلاً ونهارًا، ويمكرون بأتباعه كلما سنحت لهم فرصة، ليخرجوا المسلمين من النور إلى الظلمات، ويقوضوا دولة الإسلام، ويضعفوا سلطانه على النفوس، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى إذ يقول: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم {البقرة: 105} ، وقال سبحانه: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق {البقرة: 109} ، وقال جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين {البقرة: 109} .
وكان من أبرز أعداء هذا الدين:"النصارى الحاقدون"، الذين كانوا ولا يزالون يبذلون قصارى جهدهم، وغاية وسعهم لمقاومة المد الإسلامي في أصقاع الدنيا، بل ومهاجمة الإسلام والمسلمين في عقر ديارهم، لا سيما في حالات الضعف التي تنتاب العالم الإسلامي كحالته الراهنة اليوم، ومن المعلوم بداهة أن الهدف من هذا الهجوم هو زعزعة عقيدة المسلمين، وتشكيكهم في دينهم، تمهيدًا لإخراجهم من الإسلام، وإغرائهم باعتناق النصرانية، عبر ما يعرف خطأً ب"التبشير"وما هو إلا دعوة إلى الوثنية في النصرانية المحرفة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ونبي الله عيسى عليه السلام منها براء.
وقد أنفق النصارى أموالاً طائلة، وجهودًا كبيرة في سبيل تحقيق أحلامهم، في تنصير العالم عمومًا، والمسلمين على وجه الخصوص، ولكن حالهم كما قال الله سبحانه: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون {الأنفال: 36} ، وقد عقدوا من أجل هذه الغاية مؤتمرات عدة، إقليمية وعالمية، منذ قرن من الزمان، وإلى الآن توافد إليها المنصرون العاملون من كل مكان لتبادل الآراء والمقترحات حول أنجع الوسائل، وأهم النتائج، ورسموا لذلك الخطط ووضعوا البرامج، فكان من وسائلهم:
1-إرسال البعثات التنصيرية إلى بلدان العالم الإسلامي، والدعوة إلى النصرانية من خلال توزيع المطبوعات من كتب ونشرات تعرف بالنصرانية، وترجمات للإنجيل، ومطبوعات للتشكيك في الإسلام، والهجوم عليه، وتشويه صورته أمام العالم.
2-ثم اتجهوا أيضًا إلى التنصير بطرق مغلفة، وأساليب غير مباشرة، ولعل من أخطر هذه الأساليب ما كان:
عبر التطبيب، وتقديم الرعاية الصحية للإنسان، وقد ساهم في تأثير هذا الأسلوب عامل الحاجة إلى العلاج، وكثرة انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة في البيئات الإسلامية، خصوصًا مع مرور زمن فيه ندرة الأطباء المسلمين، بل فقدانهم أصلاً في بعض البلاد الإسلامية.
ومن تلك الأساليب أيضًا: التنصير عن طريق التعليم، وذلك إما بإنشاء المدارس والجامعات النصرانية صراحة، أو بفتح مدارس ذات صبغة تعليمية بحتة في الظاهر، وكيد نصراني في الباطن؛ مما جعل فئات من المسلمين يلقون بأبنائهم في تلك المدارس رغبة في تعلم لغة أجنبية، أو مواد خاصة أخرى، ولا تسل بعد ذلك عن حجم الفرصة التي يمنحها المسلمون للنصارى حين يهدون فلذات أكبادهم في سن الطفولة والمراهقة، حيث الفراغ العقلي والقابلية للتلقي، أيًا كان الملقي، وأيًا كان الملقَى.