بل إن الله تعالى قادر أن يجعل قوتها ضعفاً، وعزها ذلاً، وغناها فقراً، لأنها ماكرة في حربها هذه والله عز وجل يقول: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) .
إنّ الخوف كل الخوف، من ذنوبنا ومعاصينا، فكل مسئول سيتحمل ما يقع في هذه البلاد من عقوبات، سيتحمل فقدان الأمن الذي نعيشه الآن، سيتحمّل سفك الدماء التي سترُاق، سيتحمل الأعراض التي تنتهك، سيتحمل موت الأطفال الأبرياء، سيتحمل نهب الأموال، سيتحمل كل ما يتغير في المجتمع.
إن هذا التسلط من الدول الكافرة، وممارسة سياسية التركيع، السبب الرئيس فيه هو نحن؛ تصرفاتنا، أفعالنا، ولنا في التاريخ عبرة، وفي الأمم الغابرة عظة.
ماذا فعل (نقفور) ملك الأَرمن - لا رحمه الله - بالمسلمين؟!.
يقول ابن كثير رحمه الله في تاريخه:"لقد كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلباً، وأشدهم كفراً، وأقواهم بأساً ، وأحدّهم شوكةً، وأكثرهم قتلاً وقتالاً للمسلمين في زمانه، واستمرت في يديه قهراً، وأضيفت إلى مملكة الروم قدراً، وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان وظهور البدع الشنيعة فيهم، وكثرة العصيان من الخاص والعام منهم، وفشو البدع فيهم، وكثرة الرفض والتشيع منهم، وقهر أهل السنة بينهم، فلهذا أديل عليهم أعداء الإسلام فانتزعوا ما بأيديهم من البلاد، مع الخوف الشديد، ونكد العيش، والفرار من بلاد إلى بلاد، فلا يبيتون ليلة إلا في خوف من قوارع الأعداء، وطوارق الشرور المترادفة،"فالله المستعان.
وقد ورد حلب في مائتي ألف مقاتل بغتة، وجال فيها جولة ففر من بين يديه صاحبها سيف الدولة ففتحها اللعين عنوة، وقتل من أهلها الرجال والنساء ما لا يعلمه إلا الله، وخرّب دار سيف الدولة التي كانت ظاهر حلب، وأخذ أموالها وحواصلها وعددها، وبدّد شملها، وفرق عددها، واستفحل أمر الملعون بها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبالغ في الاجتهاد في قتال الإسلام وأهله وجدّ في التشمير، فالحكم لله العلي الكبيرن وقد كان لعنه الله لا يدخل في بلد إلا قتل المقاتلة وبقية الرجال، وسبى النساء والأطفال، وجعل جامعها اصطبلاً لخيوله، وكسر منابرها واستنكث مأذنتها بخيله ورجله وطبوله، ولم يزل ذلك دأبه وديدنه حتى سلط الله عليه زوجته فقتلته بجواريها في وسط مسكنه، وأراح الله منه الإسلام وأهله، وأزاح عنهم قيام ذلك الغمام، ومزق شمله، فلله النعمة والأفضال، وله الحمد على كل حال.
ولقد بيّن شاعرهم الخبيث السبب في تغلّب (نقفور) على المسلمين، فقال:
نصرنا عليكم حين جارت ولاتكم ... وأعلنتموا بالمنكرات العظائم
قضاتكم باعوا القضاء بدينهم ... كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم
عدو لكم بالزور يشهد ظاهرا ... وبالإفك والبرطيل مع كل قائم
أيها الناس:
أما تكفي هذه الأحداث أن تكون واعظا؟!.
أما تكفي أن تكون معتبرا؟!.
إنها آية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
الخطبة الثانية
أيها المسلمون:
إني أناشد الجميع رجالاً ونساءاً، كباراً وصغاراً، بما يلي:
أولاً: أن يتفكر الإنسان بما يدور حوله، وماذا يراد به؟! وماذا يخطط للقضاء عليه؟!.
إن بعضنا يعيش غفلة عريضة، وكأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، إن هذا التفكير في واقعك، سيجعلك تتقدم إلى الإمام خطوة بل خطوات.
ثانياً: أن نتوب إلى الله عز وجل، توبة صادقة، توبة نصوحاً، من جميع الذنوب والمعاصي.
نعم أيها الناس:
يجب أن نتخلى عن ذنوبنا، يجب أن نبتعد عن أسباب تنزّل العقوبات الإلهية، إن الله تعالى دائماً يعلق تنزّل العقوبات على الذنوب والمعاصي، يقول الله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) .
إذن لماذا لا نتوب من ذنوبنا؟! ولما لانعود إلى ربنا سبحانه؟!.
يقول الله جل جلاله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
إنّ الناس متى عادوا إلى ربهم، وتمسكوا بمنهاج نبيهم، وامتلأت قلوبهم إيماناً وصدقاً وخشيةً وإنابةً، جاءهم الخير من كل مكان، وحلت عليهم البركات، ونزلت عليهم الخيرات، وعمّتهم المسرات، كما قال الله في كتابه الكريم: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) . ويقول الله تعالى عن قوم يونس: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) .
وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وتركِ ما هم عليه فأبوا؛ فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم؛ فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك؛ فلما كان الليل تزّود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه، فتابوا ودعوا الله، ولبسوا المسوح، وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا المظالم في تلك الحالة.
وقال ابن مسعود:"وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده".
وعن ابن عباس، أنهم:"غشيتهم ظلة وفيها حمرة، فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم".
وقال سعيد بن جبير:"غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب".
فنسأل الله أن يوفقنا جميعاً للتوبة النصوح، وأن يصلح أحوالنا، ويهدي ضالنا، ويردّه إلى الحق رداً جميلاً.
وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
الخطبة الأولى
الحمد لله (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) . [سورة غافر: 3] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . [سورة التغابن: 1] . وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً. أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله تعالى، وانتهوا عما نُهيتم عنه لتكونوا من المتقين الآمنين.
معشر المسلمين:
يقول الله تعالى في كتابه المبين: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) . [سورة الأنعام: 151] .
ومن الفواحش: الزنى وعملُ قوم لوط، بدليل قوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) . [سورة الإسراء: 32] ، وقوله في عمل قوم لوط: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ) . (54) سورة النمل، ولقد نهى الله عن القرب منها، وذلك بالبعد عن الوسائل الموصلةِ إليها، فهذه الفواحش محرمة، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) . [سورة الأعراف: 33] .