وقال تعالى: (( وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ) ). (( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) )فاستثنى من جنس الإنسان من الخسران الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم فلا إيمان صادق إلا بعملٍ صالح فالعمل الصالح من صدقة وذكر ودعاء وجهادٍ وتفكرٍ ودعوةٍ وصلاة وصلة ونسكٍ وإخلاص والثمرة الطبيعية للإيمان .
ومن جمع الإيمان والعمل الصالح فقد أدرك السعادة (( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) )
فاز بدفاع الله عنه: (( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ) )وظفر بولاية الله له (( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ ) )
ومحبة الله له: (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً ) ).
(( فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) ). (( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) ).
(( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ):
إي وصّى بعضهم بعضاً بالحق وهو الإيمان بالله وتوحيده والقيامُ بما شرعه سبحانه وأداء الواجبات والمفروضات وترك المحرمات والمنهيات (( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) )بالصبر عن المعاصي وعلى أداء الطاعات وبالصبر على الأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر .
جعلنا الله وإياكم من المؤمنين الذين يعملون الصالحات وممن يتواصون بالحق وبالصبر إنه جوادٌ كريم
الخطبة الثانية
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله ، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان .. أمَّا بعد .
فقد أتضح مما سبق أن عوامل النجاح أربعة:
الإيمان و العمل الصالح و التواصي بالحق والتواصي بالصبر .
فأين هذه العوامل من حياة كثير من الناس اليوم الغيور ينظر يميناً وشمالاً ليبحث عن آثار الإيمان وأنواره الساطعة في حياة الناس فيفاجأ بأمواج الفتن وأمراض النفاق والتطاول على الحرمات والنيل من الدعوة والدعاة حتى كتب أحد المنافقين وما أكثرهم لا كثرهم الله يزعم بأن الدعوة إلى الله وقيام المعلمين والمعلمات بواجب النصيحة والدعوة التذكير سبب مهم في تدني مستوى التعليم .
فأين نفع علمٍ بلا إيمان لو كان هذا وأمثاله يعقلون هم كثير مَنْ لا هَمَّ لهم إلا التفنن في الحصول على رغباتهم وشهواتهم مهما كانت الوسائل مهما وطئوا في مسيرهم غيرهم من الناس ، بسندما يضعف الإيمان أو ينعدم يَظْلِمُ المرء غيره ، ويسئُ الظنَّ بإخوانه ، وَيُضَيِّعُ حقوق الآخرين ويهدِرُ كرامة المسلمين ، ويتسلّط على البائسين والمساكين ،
أين الحق في العالم اليوم وكل من بيده سلاح يريد أن يستعد به من كان مجرداً منه أو يقضي عليه إن رفض العبودية له .
عباد الله:
سورة العصر رسمت منهجاً كاملاً واضح المعالم من أراد النجاح فليلتزم به ليحصل الخلاص من حياة البؤس والضياع فإن الغالب على البشر في كل زمان ومكان هو غرقهم في الفساد وسيرهم إلى الهلاك والدمار .
وإذا تأملت الحال اليوم وجدت هذه الحقيقة واضحةً ماثلة للعيان .
لا نمثل بالأمم الوثنية التي مَسخت عقولها عندما انحدرت إلى هذا الدرك باتخاذ آلهة من الحجر أو الشجر أو البقر ، أو غير ذلك من الحيوانات والجمادات ، فإن الخضوع لمثل هذه الآلهة أوضح دليل على الفساد المريع في عقول هؤلاء وفِطَرهم ، لكن لنا أن نضرب المثل بمن يسميهم القرآن (( أَهْلِ الْكِتَابِ ) ).
اليهود والنصارى: إنهم الطرف الرئيسي
في الصراع بين الكفر والإيمان، فما يعتلج في العالم اليوم من مشكلات مدمرة هو بسبب هاتين الملتين، اللتين تقودان العالم نحو الدمار ، اليهود والمغضوب عليهم، قتلة الأنبياء، ومصدر الفساد والشرور، والنصارى الضالون، الذين هم الروم ذات القرون، كلما هلك منهم قرن أتى قرن ، ويقف أمام هؤلاء وأولئك أهل ملة الإسلام ، فالصراع باختصار هو بين ملة الإسلام التي تُمثِّل (الحق المُنزَّل) والدين المُكمَّلَ ، وبين هاتين الملتين الضالَّتين المُضِلَّتين .
ونظرة فاحصة لما يمور في العالم اليوم من حروب ومآسٍ ، ومصائب وكوارث ، وفسادٍ خلقّيٍ واقتصاديٍ ،
وظلمٍ وطغيانٍ ، تجد وراءه اليهود والنصارى .
والناس كشأنهم في كل زمان الغالبيةُ الغالبةُ والسوادُ الأعظمُ منهم واقعون في براثن هؤلاء المفسدين .
فهم سائرون من ورائهم كالعميان يقودنهم إلى المصير المحتوم ، ومما يزيد من فداحة الأمر أن الشهوات والغرائز كلها تحث الناس على اندفاع في طريق الدمار، والاستسلام لحبائل المفسدين ، بينهما طريق النجاة محفوفة بالعوائق المكاره وتكاليفها شاقة ، وعبئها ثقيل ، فلذلك كثر الهالكون وقلَّ السالكون ، فاللهم اجعلنا من القليل .
وهذا يبين عظم شأن هؤلاء القليل الناجين الذين سَمَتْ عقولُهُم وفِطَرُهُم ونفوسُهُم وعزائُهُم عن الاستسلام
لما استسلم له الأكثرون، فسَلِمُوا بذلك من التردِّي في الوهدة التي تردَّي فيها الهالكون .
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102] . ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( [النساء:1] . ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً( [الأحزاب:70-71] .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أما بعد ، أيَّها المسلمون:
فلقد عُزلت هذه الأمة طويلاً عن دراسة تاريخ أسلافها, و أفلح خصومها في إحداث فجوةٍ سحيقةٍ بين ماضيها وحاضرها, لتظل غارقةً في نومها, و اليوم و قد بدأت الأمة تستيقظُ من غفلتها, و تستردُ شيئاً من عافيتها, فقد آن الأوان أن تعيد دراستها لتاريخها المجيد, وتتأمل منهج الأصحابِ في صناعةِ ذلك المجدِ الفقيد, لتأخذَ العبرةَ و تستلهم الفكرةَ, و تكرر المحاولة, فلن يصلح حالُ آخر الأمة إلا بما صلح به حالُ أولها, لم لا و إن من أولويات ما تجبُ دراسته, هو تأمل عوامل النجاح التي من خلالها تمكن الصحابةَ من حمل الإسلام إلى العالمِ, و نشر الدين في أصقاع المعمورة, حتى وصلت خيولُ المسلمين إلى أطراف الصين شرقاً, و قرعت أبواب فرنسا الصليبية غرباً, فما سر نجاحهم يا ترى ؟
كيف نجحوا في بلوغ غاياتهم, و تحقيق أهدافهم, و كيف أسعدوا البشرية بنور الوحيين الشريفين, وخلصوا الإنسانية من جحيم الجاهلية و نتنها .