ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليٌّ من الذل وكبّره تكبيراً .. وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله بعثه الله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً .
اللهمَّ صل عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وسَلِّمْ تسليماً كثيراً .. أَمَّا بعد .
فلا مخرج من الأزمات ولا فلاح للعبد ولا نجاة إلا بتقوى الله عالم السر والخفيات، ومنجي عباده عند نزول الشدائد والملمات ، وسامع صوت يونس في بحار الظلمات ، فنسألك اللهم الهدى والتقى والعفاف والغنى .
اللهم اجعلنا ممن يخافك ويتقيك، ويؤمن بك ويتوكل عليك أنت حسبنا ونعم الوكيل
عباد الله:
إننا نعيش في عصر تقدم فيه الإنسان في مجالات التصنيع والتسلّح والاختراع وتوفرت فيه وسائل الراحة وسبل الترف والرفاهية فهل سعدت الإنسانية بهذا هل شعرت بالطمأنينة وراحة النفس ؟ كلا .
سباقٌ محموم إلى التسلح النووي واقتناء أحدث الأسلحة لتدمير الحرث والنسل فهل تحقق السلام والهناء ، والراحة والهدوء ؟.
هاهو العالم اليوم يعيش فوق بركان من القلق والفزع وفوق زلازل من الحيرة والاضطراب ، وما يكاد العالم يخلص من مشكلة أو أزمة إلا ليستقبل أزمة أكبر أو مشكلة أمر وما ذلك إلا لأن هذا التقدم المادي الحسي لم يصاحبه ما يماثله من التقدم الروحي النفسي .
بل نحن نعيش في عالم لا يدين أكثره بالمثل العليا ولا بالعقائد الصحيحة . قد انفصمت عرى الإيمان في النفوس وقَلَّ عمل الخير بمعناه الصحيح ، وضعف سلطان العدل ، وضاع صوت الحق في زحمة الباطل .
ولو أن رجلاً من السلف الصالح رجع إلينا لها له ما يرى .
أما المسلمون فالكثير الغالب منهم قد ضيعوا مجدهم وعزهم ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ساروا خلف أعدائهم فأوردوهم موارد الذل والهوان تركوا الجهاد ، وركنوا إلى الدنيا ، وتنازلوا عن عزتهم وعلوهم (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ).
(( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ).
وأمَّا الغرب الكافر فـ (( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) )يعيش أحدهم
فيأكل كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم .
أعطوا ذكاءً ولكن بدون ذكاء ووهبوا علوماً بدنياهم ولكنها صارت من أسباب شقائهم ، لهم عقول ولكن
لا يعقلون بها مكنوا من الأسباب المادية ، وحرموا عبادة رب البرية .
فيا الله ما أعظم خسارتهم ، وما أشد تعاستهم ، وما أبئس حالهم (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ) ).
(( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ).
(( لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ ) ).
(( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ) ).
إن ما تعانيه الإنسانية اليوم من بلاءٍ وشقاء ، وظلم واستعلاء ، وشرور ووباء بحاجة إلى علاج ودواء ،
ولربما يتفلسف أناس ، ويتفيهق آخرون في وصف العلاج فيطيلون ويرهقون ثم لا يأتون إلا بالفشل الذريع ، ولكن الله تبارك وتعالى رسم لعباده العلاج ووضح لهم المنهاج الذي إن أخذوا به خرجوا من الظلمات إلى النور ،
ومن سبل الشقاء إلى طريق الهدى والأرتقاء رسم هذا المنهج في سورة قصيرة ذاتِ آياتِ ثلاث لكنَّ فيها المنهج
الكامل للحياة الحقيقية .
إنها تشخّص العلة وتحدد الداء وَتُرَسّخ طريق الخلاص ووصف الدواء تلكم هي (سورة العصر) والتي يقول عنها الشافعي - رحمه الله-: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم (تفسير أبن كثير 4/582) .
وذكر الطبراني عن عبيد الله بن حفص قال: ( كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها ) ( تفسير سورة العصر عبد العزيز القارئ ص 26 ) .
ليذكر أحدهما صاحبه بما في هذه السورة من منهج السعادة وعوامل النجاح وطريق الفلاح .
ويقول ربنا سبحانه في هذه السورة: (( وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ).
أقسم الله تعالى بالعصر وهو الدهر والزمان الذي يحصل فيه حركات بني آدم من طاعات ومخالفات ،
وخير وشر أقسم الله لما فيه من دلائل القدرة على الخالق سبحانه فهو مشتمل على الأعاجيب فيه السراء والضراء والصحة والسقم ، والغنى والفقر وفي ذلك تنبيه للإنسان على أن هذا الزمان ظرفٌ لأعماله وأنه يمرُّ وينقضي سريعاً إذا لم يستفد منه ضاع عليه فكل يوم مضى نقص في العمر .
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يومٍ مضى نقصٌ من الأجلِ
إن الزمان بحركته الدائبة يجري بالإنسان نحو نهايتهَ المحتومة وإن كان لا يحس بذلك .
وأرى الزمانَ سفينةً تجري بنا نحو المنونِ ولا نرى حركاتِهِ
والزمان بتعاقب أيامه ولياليه عبرةٌ لمن أراد أن يعتبر وواعظ لمن أراد أن يتعظ: (( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ) ).
تمر دولٌ وأمم ثم تبيد وتزول ومنهج الحق واضح ، والخالق لا يزول ولا يحول حي لا يموتُ قيوم لا ينام .
والزمان عباد لله:
فرصةٌ يضيعها الإنسان غالباً هذه هي حال أهل الخسران مع أنه من أصول النعم ولكن أكثر الناس لا يشكرون .
أليس من الغبن والحرمان أن تمضي على بعض الناس سنوات إثر سنوات وشهورٌ ودهور وهو لاه ٍ يلعب ،
يرى العبر بعينه ، ويسمع المواعظ بأذنيه ، ويرى تقلّب الزمان بأهله وهو بمعزلٍ عن الاتعاظ .
يا أهل الإسلام: لا وقت للهو ولا للبطالة .
أنهلو وأيامنا تذهبُ ونلعبُ والموت لا يلعبُ
أيلهو ويلعب من نفسه تموت ومنزله يخربُ
والعجيب أن عصر الإنسان الذي هو عمره مهما طال لا يفيد منه إلا لحظة الهداية ، فلو ضيعّ الإنسان مئة سنة في الشقاوة ثم تاب واهتدى في اللحظة الأخيرة من عمره دخل الجنة بسببها وَنُعِّم بنعيمها أبد الآباد ولو أمضى مئة سنةٍ في العمل الصالح ثم انتكس في اللحظة الأخيرة وكفر ذهبت أعمالها كلها هباءً منثوراً وضاع عليه جميع العمر فليدرك العاقل نفسه وليختم بخير فما يدري متى تطوى صحيفته ، وتقوم قيامته: (( إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) ).
أقسم تعالى بالعصر على هذه الحقيقة: وهي أن جنس الإنسان الغالبُ عليه الخسر وهو الغبن والنقص فالناس جميعهم في خسران ونقصان من تجاراتهم إلا الصالحين وحدهم لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوا ومن عداهم تجروا غير تجارتهم فوقعوا في الخسارة والشقاء قال الله تعالى: (( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) ).