فهرس الكتاب

الصفحة 9217 من 9994

أبو ذر يترك بعيرَه، ويحمِل متاعَه على ظهره، ويمشي على قدمَيه حتى يدرك النبيّ ، فلا يفوته الموقف الجليل، وخلقٌ كثير من المسلمين اليوم قد شغِل عن إدراك الجماعات وحضور الصلوات بتتبُّع المسلسلات ومشاهدَة المباريات لكأس أوربا للأمَم.

النبيّ يتفقّد أصحابَه ويسأل عن إخوانه، ومِنَ المسلمين اليومَ من يبيت شبعانَ وجارُه إلى جنبِه جوعان وهو لا يدري.

رجلٌ من المنافقين يقع في عِرض كعبِ بن مالك، فيردّ معاذ بن جبل عن عرض أخيه، ومن ردّ عن عرض أخيه بالغيبة ردّ الله عن وجهِه النارَ يوم القيامة، ومِنَ المسلمين اليومَ من يقع حتى في أعراض العلماء والفضلاء وقلّما يردّ عنهم أحد.

نفَر من المنافقين يريدون الفتكَ بالنبيّ ، فيردّ الله كيدهم ويعصم نبيّه، وخلق لا يحصَون اليومَ يريدون الكيدَ بسنّة النبيّ ، فهم لها تاركون وعنها معرضون، بل هم لها محاربون وإن كانوا لا يظهرون وبغير ذلك يتملّقون، ردَّ الله كيدهم وخيَّب سعيهم.

في تبوك يخطب النبيّ خطبةً بليغة فيتأثّر الجيش، وتشحذ الهمم، وتقوى العزائم، وترتفع المعنويّات، والمسلمون اليومَ يسمعون العِظاتِ ويحضرون المحاضرات ويجتمعون في الجُمُعات، فخُطبٌ تُلقى وكلِماتٌ تتلى، ولكن تدخل من اليُمنى وتخرج من اليُسرى إلا من رحم الله.

المخلَّفون بلا عذر مِن المؤمنين الصادقين يعترفون بذنبِهم ويتوبون إلى ربّهم ويرضَون بحكمه ويسلّمون لأمره، ومن المؤمنين اليومَ من يصِرّ على المعاصي والذنوب ويجاهر بها علاّمَ الغيوب وآياتُ الله عليه تتلَى وعِظاتُه إليه تَترى، ثم هو إلى الله لا يتوب ولا يؤوب.

المنافقون في زمن النبيّ يكيدون للإسلام بالليل والنهار، وقد وجد في هذا الزمان من أبناء جِلدتنا وممّن يتكلّمون بألسنتنا من يكيد للإسلامِ سِرًّا وجهرًا، أولئك بنو عِلمان.

أيّها النّاس، لقد نصر الله نبيّه وأعزَّ جنده لأنهم أخذوا بتعاليم الكتاب والتزموا فصلَ الخطاب، وخُذِلنا وأُذلِلنا نحن اليومَ لأننا أعرضنا عن آيات الكتاب وابتغينا العزّةَ في الوقوف على أبواب اليهود والنصارى محرِّفي الكتاب.

فهلاّ من وقفةٍ صادقةٍ مع النفس وعودةٍ جادّة إلى الحق، فإن الأيام تمضي، والأعوام تنقضي، والآجال تتصرم، والموعد مع الله حق، واللقاء به آت، والوقوف بين يديه ثابث، ثم إنا من السؤال على يقين، ومن الجواب السّديد في شكّ، فالله الله أيها المسلمون، توبوا إلى الله واتقوه، واخشَوه وراقبوه، تزوّدوا من صالحات الأعمال، وأقلِعوا عن سيّئات الأقوال والأفعال، رَبّوا أبناءكم على الإسلام وأدّبوهم بأدب خير الأنام، وخذوا على أيدي سفهائكم، واتقوا الله فيما استرعاكم.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم...

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-حكمة دوام الصراع بين الحق والباطل. 2- غزوة تبوك: تاريخها وسببها وأحداثها. 3- دروس وعبر من غزوة تبوك.

الخطبة الأولى

أما بعد: عباد الله، اعلموا أن حكمة الله اقتضت أن يكون الحق والباطل في صراع دائم وصراع مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ كل ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب، فمنذ بزغ هذا الدين وأعداؤه من يهود ونصارى ومشركين ومنافقين يحاولون القضاء عليه بكل ما يستطيعون، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8] . والتاريخ في ماضيه وحاضره يشهد بذلك، أنى لهم أن يفلحوا ما تمسكنا بكتاب ربنا وسنة نبينا ؟!

أيها المسلمون، يوم يقلب المرء صفحات الماضي المجيد ويتدبر القرآن الكريم ثم ينظر لواقعنا ويقارنه بذلك الماضي يتحسر يوم يجد البون شاسعا والفرق كبيرًا، يتحسر يوم يرى تلك الأمة التي كانت قائدة قد أصبحت تابعة حينما ابتعدت عن شرع ربها ونهج نبيها، فعودًا سريعا إلى الماضي المجيد لنستلهم منه الدروس والعبر في هذا الحاضر العاثر، عودًا لسيرة من لم يطرق العالم دعوةٌ كدعوته، ولم يؤرخ التاريخ عن مصلح أعظم منه، ولم تسمع أذن عن داعية أكرم منه، وما أحرانا ونحن في هذه الأيام العصيبة أن تتجاوز المدة الزمنية كي نعيش يوما من أيام محمد لنأخذ العبر والدروس.

نعود بكم إلى شهر رجب سنة تسعٍ من الهجرة لنعيش وإياكم أحداث غزوة تبوك وجيش العسرة التي تساقط فيها المنافقون وثبت فيها المؤمنون وذل فيها الكافرون وعز فيها الصادقون.

بلغ النبي أن الروم تتجمع لحربه ولتهديد دولته، يريدون مبادرته بالحرب قبل أن يبادرهم، فعند ذلك أعلن النبي لأول مرة عن مقصده وعن تجهيز الجيش، فتجهز أقوام وأبطأ آخرون، تجهز ثلاثون ألف مقاتل، باعوا أنفسهم إلى الله نصرة لله ورسوله، وتساقط المنافقون، فها هو أحدهم يقول له رسول الله كما روى ابن هشام: (( هل لك في جلاد بني الأصفر؟ ) )أي: الروم، فيقول: يا رسول الله، ائذن لي ولا تَفْتنَّي، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عُجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه ، ولكن الله جل وعلا فضحه في قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49] .

وتحدثت الآيات في القرآن عمن نكص كذلك من هذه المعركة وتحجج بحجج واهية حين آثروا ظل القعود في بيوتهم وحقولهم على حر الصحراء ووعثاء السفر: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة:81] .

وتجلت في الإعداد لهذا الجيش طوايا النفوس ومقدار ما استودعت من قبل من إخلاص ونشاط، فهناك أغنياء أخرجوا ثرواتهم ليجهزوا الجيش من الرواحل والسلاح والخيل، منهم عثمان بن عفان، سبق في بذله سبقا بعيدا حتى إن رسول الله عجب من كثرة ما أنفق، تصدق بمائتي بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتي أوقية، ثم تصدق بمائة بعير بأقتابها وأحلاسها، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ، فقال النبي: (( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) )رواه الحاكم بسند صحيح.

وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله، وجاء عمر بنصف ما يملك، وجاء العباس بمال كثير، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وسقًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم من أنفق مدًا أو مدين لم يكن يستطيع غيرها. وبعثت النساء ما قدرن عليه من خلاخل وخواتم وذهب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت