فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه واستن بسنته إلى يوم الدين وبعد:
يقول الله تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقنا كم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ] ؛ ويقول الله تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ] .
عباد الله: إن عملية الإنفاق في سبيل الله هي من اعظم التحديات التي تواجه النفس الإنسانية , خاصة أن طبيعة البشر أنهم حريصون كل الحرص على المال ؛ محبون له أشد الحب, { وتحبون المال حبا جما } , {وانه لحب الخير لشديد} , فالذي يستطيع أن يكون المال في يده لا في قلبه فقد نجا من فتنة قدرها الله تعالى أصلا على البشر حيث قال الحق جل جلاله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم } , ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي بالمال ] , فمن الناس من افتتن بالمال فتنة عظيمة حتى أنه أصبح عبدا لذلك المال وللدرهم والدينار فانطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: [تعس عبد الدينار والدرهم ] , فلم يعد لهم هم إلا جمع المال دون النظر من أي طريق يجمع وفي أي طريق ينفق, فترك دينه وتفرغ لدنياه, فابتعد عن ذكر الله وترك صلاته وعبادته , وانشغل بالأدنى عن الذي هو خير , واستعمل ماله في سخط الله فتعس وانتكس , وبخل بما أعطاه الله ظانا أن ذلك خيرا له ,ولم يسمع قول الله تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير } .
ومن الناس عباد الله من علم أن المال الذي بين يديه إنما هو أمانة وأنه مستخلف فيه , وعلم أنه ابتلاء من الله امتحنه فيه , فاتقى الله فيما بين يديه وحافظ على توازنه ما بين ماله ودينه , فأدى الحقوق المطلوبة وقام بالواجبات المفروضة , فبارك الله له في ماله في دنياه وضاعف له أجره في الآخرة , وصدق فيه قول الله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط } .
عباد الله: إن الإنفاق في سبيل الله سبحانه هو أحد أهم الأمور التي يقاس بها العبد من ناحية صدقه مع الله تعالى وعبوديته له خاصة أن كثيرا من الناس يدّعون الإيمان و العبادة , ويتذرعون أن أبواب الخير موصدة في وجوههم, فكم من الناس يتمنى أن يفتح باب الجهاد حتى ينال شرف الجهاد والشهادة , وقد يقول قائل: لئن فتح الله لنا باب الجهاد ليرين الله ما نصنع ؛ أما علم هؤلاء أن الله تعالى قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن الذي لا يقدم ماله لن يقدم نفسه من باب أولى في اللحظة الحرجة , ومن هنا ليسأل كل واحد منا نفسه هل أنا ممن يقولون ما لا يفعلون؟ أم أنني من الصادقين مع نفسي ومع الله ؛ الذين يصدق فعلهم قولهم .
اخوة الإسلام إن الله تعالى لما أمرنا بالجهاد ودلنا على طريقه في كتابه الحكيم , أمرنا أن نجاهد بأموالنا بداية وفي ذلك تهيئة للنفس كي تجود بما هو أكبر من ذ لك , فقال الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} ؛ ومن هنا فهم سلفنا الصالح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن سار على هديهم من بعدهم هذا الأمر جيدا , فهذا عمر رضي الله عنه قدم نصف ماله وهذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه قدم ماله كله ؛ يقول عمر رضي الله عنه أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر فجئت بنصف مالي , فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك ؟ فقلت مثله ؛ وأتى أبو بكر بكل ما عنده , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك ؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله, قلت لا أسابقك إلى شئ أبدا؛ وهذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه كان من أغنى الأنصار , قدم لله أحب ماله عنده وهي بئر كانت مستقبلة المسجد وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء
فيها طيب وهي (بيرحاء) .
وهذا أبو الدحداح الأنصاري الذي اشترى ببستانه نخلة في الجنة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:كم من عذق دوّاح لأبي الدحداح في الجنة --- مرارا .
عباد الله:إن الإنسان الذي عجز عن الجهاد بنفسه لسبب أو لغيره وكانت الفرصة أمامه ليجاهد بماله , ثم قصر بعد ذلك فوالله لا نجد له عذرا أمام الله عند السؤال يوم القيامة ؛ فالإنفاق الإنفاق عباد الله , ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: [ قال الله تعالى: يا ابن آدم أنفق ينفق عليك] , فالله الله على من زاد ماله وباركه بالإنفاق في سبيل الله وانتظر الجزاء من الله في الدنيا والآخرة , متيقنا بقول الله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} .