فهرس الكتاب

الصفحة 2431 من 9994

#التوبة وفضلها

إعداد/ محمد رزق ساطور

الحلقة الثالثة

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم: أي حكمًا، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة» . [البخاري 6/591، ومسلم 17/82، 83]

وفي هذا الحديث من الكنوز والفوائد الكثير لمن تدبره، وها نحن نذكر بعضًا منها:

الأولى: الاعتبار بما مضى في السابقين، وبمن كانوا قبلنا، فكان منهم من رضي الله عنهم وتقبل منهم، وأقال عثرتهم وأنار بصيرتهم، فكل من طلب من الله العفو، عليه أن يستقيم على أمره، ليقبل منه ويتجاوز عنه، وأن من لم يعتبر بغيره ويرجع عن غيه، كان عبرة لمن بعده، فالنبي صلى الله عليه وسلم يربط هذه الأمة بمن سبقها على طريق التوبة والإيمان لأن دين الأنبياء واحد وهو الإسلام وحتى يعلم المسلمون أننا لا نسير في طريق التوبة وحدنا بل لقد سار في هذا الطريق كل الأنبياء والمرسلين، وأتباعهم الذين صدقوا في إيمانهم، أما من بدل وغير فإننا نبرأ منه ويبرأ منه الأنبياء والمرسلون ومن صدق من أتباعهم.

والثانية: أن قساوة القلب، والبعد عن الله، والجهل واقتراف المعاصي، وفعل القبائح والسيئات لها حد ولها نهاية، من وضع لها حدًا في الدنيا بالتوبة فقد فاز، وإلا كانت النهاية في النار- عياذًا بالله منها- فهذا قاتل محترف قتل تسعة وتسعين نفسًا، وبعد ذلك يمل من كثرة هذه القبائح ويرجو رحمة ربه سبحانه ويطلب التوبة، فطريق العصيان كله ملل ونصب وشقاء وهلاك وتعب، فالمخالفات من شأنها أن تهلك القلب ولا تسعده، ماذا كان يريد هذا الرجل بعد أن قتل تسعة وتسعين نفسًا، ربما كان سعيدًا سعادة مؤقتة زائفة بذلك، وربما كان يثبت لنفسه هذه السعادة الزائفة بقتل الأنفس، ومع ذلك أحس أن ما فعله هو الدمار والشقاء والضياع والرعب والفزع والاضطراب والقلق، هذا حينما أبصر الحق وزالت عنه غشاوة الباطل فلا بد من حل للخروج من هذه الأزمات، إن ذلك لا يكون إلا بالقرب من الله تعالى والتوبة له والخضوع والذل والاستسلام والإذعان والانقياد لأمره تعالى، هذه بغية القلب التي يبحث عنها والتي إن وجدها استراح، آمن هذا الرجل بذلك، إن ما كان يعيش فيه من مال ومتع زائفة وحياة غنية باللهو والعبث والشهوة واللذة لم تشبع له نفسًا، ولم تسد له حاجة، فظل الرجل في تيه وملل حتى أحس بنور الله فتعلق به لأنه النجاة والفكاك من ظلمة العين وقساوة القلب، ولذلك لما وقف الراهب ليحول بينه وبين الله، وبينه وبين النور الذي رأى أنه نجاته، أحس أن ذلك الراهب يحول بينه وبين السعادة الحقيقية وأراد أن يرده إلى الوحل وإلى ما قاسى منه من هلاك وضياع ودمار، ولذلك قتله غير آسف على قتله لأنه بعد ما وجد الطريق رأى من يبعده عنه، فالتوبة هي العلاج والدواء وسبب السعادة، ثم فيها الاعتراف بما فعله العبد والوقوف بين يدي الله لطلب العفو والصفح، وعند ذلك تكتمل سعادة العبد؛ لأن من وجد الله فقد وجد كل شيء، ومن فقد طريق الله فَقَدَ كل شيء.

الثالثة: أن المستكثر من أي شيء يمل منه ويرغِّب عنه إلا المستكثر من الطاعات والبر والإيمان، فهذا القاتل مل من القتل على كثرته لأنه لم يشف له غليلاً، ولم يرح له قلبًا، فلا يطلب الزيادة على ما هو عليه إلا المؤمن، ولذلك على العبد أن ينظر هل يزداد عند الله خيرًا أم إثمًا، فلا يستكثر إلا من القربات، فلو أنك نظرت إلى حال هذا القاتل، الذي بدأ طريقه وحياته بقتل الناس والاعتداء عليهم، وإذا به يفعل كل ذلك ولم يكتشف أمره، ولم يفضح، ولم يستطع أحد أن يقتله قبل أن يتمكن من كل هذا العدد، مع كل هذا الطغيان والتمرد والجبروت علم أن القتل لم يقدم له شيئًا مما قتل من أجله، فعاد نادمًا ليستكثر من الزاد الحق الذي انتكس عنه من قبل، فلابد من الندم على الإكثار في الفساد ثم العمل بالطاعات والإكثار منها فهي السبيل لمن فرط وقصر في حق الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت