فهرس الكتاب

الصفحة 2432 من 9994

الرابعة: قصور عقول بني آدم، وعدم إدراكها لكثير من مصالحها وأنها عاجزة ما لم ترتبط بالشرع، فلو أن إنسانًا فكر بعقله، في شأن قاتل محترف، ومجرم سفاك للدماء قتل تسعة وتسعين نفسًا، هل يهتدي للتوبة؟ يشاء العليم الخبير سبحانه أن يختم لهذا العبد خاتمة طيبة، فلا يمكن منه أحدًا ليقتله قبل أن يتوب، ولا تدركه منيته حتى يسأل أهل العلم، ويعزم الرجوع والعودة، ويقبل على الله، فيقبل منه توبته، وهذا من رحمة الله بالتائبين، فلابد للعبد أن يشغل نفسه بالله، ويرجع إليه ليوفقه، ولا يستعظم ذنوبه، فالله وعد بالغفران، فلابد من الرجوع السريع، والله الموفق.

الخامسة: أن التائب حين يريد التوبة ويطلبها عليه أن يسأل عن حكم أخطائه ومعاصيه وكيف يتحلل منها حتى تكون التوبة نصوحًا، ولا ينبغي أن يرتجل في توبته فيعتمد على فكره ورأيه وحده، بل عليه أن يسأل ويتعلم ليعمل عملاً لا يتوب منه بعد ذلك، وإذا سأل يتحرى ويبحث عن عالم من علماء الآخرة، ليطمئن على توبته، ومن هنا بدأ هذا الرجل يسأل عن أعلم أهل الأرض، ولم يكتف بالسؤال عن أي عالم، فهو يريد توبة تخلصه من كل ذنوبه فبحث عن خلاصة العلماء، وحينما لم يجد بغيته في المرة الأولى لم ييأس وظل يسأل عن أعلم أهل الأرض حتى وفقه الله إلى عالم فتاب على يديه، وهذا الرجل كان منصفًا، فمع أنه قابل عابدًا جاهلاً إلا أنه لم يعمم الحكم على غيره- فإن بعض الناس حين يتعامل مع إنسان فيخدعه فيقول إنهم جميعًا مثله- أو يقول: كلهم هكذا، بل أدرك هذا الرجل أن الناس فيهم الصادق والمدعي، فجعله ذلك يعود فيسأل عن أعلم أهل الأرض ووجده، وهذا من بركات الإنصاف وعدم إلقاء الأحكام جزافًا.

السادسة: أن العلم يمنع صاحبه القتل في الدنيا قبل الآخرة؛ لأنه ينير البصيرة، فيميز العالم بين من يسألونه، خاصة أن العلماء يرد عليهم خيار أهل الأرض، وكذا أفسد أهل الأرض، ولذلك فإن الجهل قتل صاحبه، فحينما أفتى الراهب هذا الرجل بأنه لا توبة له، أفتى بجهل، وكانت هذه الفتيا سببًا في قتله، وأن العالم حين أفتى نفس الرجل ولكن بعلم انقاد له وأذعن ولم يخالفه، ولم يعترض عليه ونفذ كل ما أمره به، وهذا من بركة العلم، وكذلك فإن العلم يجعل صاحبه يستوعب الجاهل والمجرم والقاتل فيؤلف قلبه، ويداوي جرحه، ولا يتأفف من رائحة المعاصي التي تفوح منه، فإن الطبيب إذا تأفف من مريضه فمن يداويه؟ ومن يخرج القيح والصديد من جروحه ويصبر عليه ويتابعه؟ ثم إن الطبيب مهما كانت حالة مريضه فإنه ينبغي ألا يصارح المريض إلى هذا الحد، فمثلاً لا يقول له: اذهب فسوف تموت الآن، أو لا أمل في شفائك، أو انطلق حتى لا تعدي الناس فأنت هالك لا محالة، بل إن الطبيب الواعي هو الذي يفسح لمريضه في الأجل ويطمئنه ويعطيه الدواء المناسب، ثم الأمل في وجه الله لا ينقطع، ولذلك فإن أهل العلم هم الأطباء والممرضون والخدم للخلق فلا ينبغي أن يقنطوا الناس في رحمة الله، بل التوبة مفتوحة حتى الغرغرة.

السابعة: أن العالم هو الذي يحبب الناس في الله، ويرغبهم في رحمته، ويبين لهم سعة حلمه وعفوه وكرمه لمن تاب وأناب، ولذلك قال العالم للرجل: «ومن يحول بينك وبينها» ، فالعلاقة بين العبد وربه موصولة دائمة متينة، فلو أن العبد قطعها وانغمس في شهواته وانطوى على ملذاته، وذاب في رغباته، فإن الله تعالى لا يقطعها ولا ييأس من توبة عبده فهو الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والعالم مطالب أن يدل الناس على الله، ثم بعد ذلك علاقة العبد بربه لا يطلع عليها إلا الله، فإن شاء قبل منه وغفر له.

الثامنة: أن العالم لا يقف عند حد الفتوى الجافة، ولكن عليه أن يوجد للسائل مخرجًا كريمًا يساعد فيه العاصي على أن يتجاوز المحنة، فلقد كان من الممكن أن يكتفي العالم بأن يقول لذلك الرجل: نعم باب التوبة مفتوح فتب إلى الله، ويسكت عند هذا الحد، ولكن العالم لم يكتف بذلك بل إنه دله كيف يعمل؟ وكيف يتصرف؟ وكيف يتوب، ودله على قوم صالحين يعبد الله معهم في أرض كذا، وسماها للرجل؛ لأن صاحب المعصية مهما صحت توبته وقبلت في حاجة إلى من يعلمه ويوجهه، ومن هذا فإن العالم ينبغي أن يجيب السائل بأكثر من السؤال، أو بما وراء السؤال ليزيل عنه كل إشكال.

التاسعة: البحث عن هذا الصنف من العلماء، مع إخلاص النية في سؤال أهل الحق، فلو أن الإنسان بحث عن أهل العلم، ولم يوفق لهم في البداية فحق على الله تعالى أن يوفقه ويدله على بغيته، فالله تعالى وفق العاصي القاتل إلى أهل العلم ومقابلتهم والتعلم منهم حين صدقت نيته، وكذلك الحذر من علماء السوء الذين يفتون بغير علم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت