فهرس الكتاب

الصفحة 6266 من 9994

#قصة أخرى مفتراة على نبي الله يوسف عليه السلام

إعداد/ علي حشيش

الحلقة السادسة والستون

نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثية للقارئ الكريم حتى يقف على حقيقة هذه القصة التي اشتهرت وانتشرت في معظم التفاسير المشهورة وتناقلها القصاص والوعاظ، وهي طعن في عصمة نبي اللَّه يوسف عليه السلام.

وهذه القصة تضاف إلى سلسلة القصص الواهية المفتراة على الأنبياء، والتي سبق تقديم البحوث العلمية الحديثية حولها، ومنها:

أولا: متن القصة

«قصة ابتغاء يوسف عليه السلام الفَرَجَ من عند غير اللَّه» عدد شوال 1424هـ رقم (39) رُوي عن السدي في قوله تعالى: ولقد همت به وهم بها قال: قالت له: يا يوسف، ما أحسن شعرك، قال: هو أول ما ينتثر من جسدي.

قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهك. قال: هو للتراب يأكله. فلم تزل حتى أطمعته، فهمت به وهمَّ بها، فدخلا البيت، وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت.

قد عض على أصبعه يقول: يا يوسف لا تواقعها؛ فإن مَثَلَك ما لم تواقعها مثل الطير الذي في جَوِّ السماء لا يطاق.

ومَثَلك إذا واقعتها مثل الطير الذي في جو السماء إذا مات ووقع إلى الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه.

ومَثَلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه.

فربط يوسف سراويله وذهب ليخرج يشتد، فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته، حتى أخرجته منه وسقط وطرحه يوسف واشتد نحو الباب. اهـ.

قلت: ولقد وضع الوضَّاعون قصة أخرى باطلة ترتبط بهذه القصة وتجعل نبي اللَّه يوسف عليه السلام يقر على نفسه بالسوء المذكور في القصة.

فقد رُوي عن ابن عباس قال: «لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه ؟ قلن: حاشا لله ما علمنا عليه من سوء، قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق الآية.

قال يوسف: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال: فقال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت ؟ فقال: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء.

ثانيًا: التخريج:

القصة أخرجها ابن جرير في «تفسيره» (7/200، 201) الخبر (19023) عن السدي، والقصة الأخرى أخرجها أيضًا ابن جرير في «تفسيره» (7/260) الخبر (19435) عن ابن عباس.

وأورد القصة الثعلبي في «قصص الأنبياء» (ص131) . واشتهرت القصة في كتب التفسير، حتى قال القرطبي في «تفسيره» (ص3488) : وقيل: إن همّ يوسف كان معصية، وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته، وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم، فيما ذكر القشيري أبو النصر، وابن الأنباري والنحاس والماوردي وغيرهم، قال ابن عباس: حلَّ الهميان وجلس منها مجلس الخاتن واستلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه، ولما قال: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف ؟ فقال عند ذلك: وما أبرئ نفسي اهـ.

ثالثًا: التحقيق:

القصة واهية ومنكرة ولا أصل لها عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل هي من الأخبار المقطوعة والموقوفة المنكرة، وهي من الأخبار التي أوردها ابن جرير رحمه اللَّه، وقد أسندها، ومن أسند فقد أحال، وبهذه الإحالة يتحتم التحقيق لمن أراد أن يتكلم عن نبي اللَّه يوسف عليه السلام.

ومن التخريج تبين:

أ- أن جميع طرق القصة لم يوجد بها «الخبر الصحيح المسند» . والمسند: هو ما اتصل مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال البيقوني:

والمُسْنَدُ المُتصلُ الإسنادِ مِنْ

راويه حتى المصطفى ولم يَبِنْ

ب- والأخبار والموقوفة الموقوفة جاءت بها القصة واهية منكرة ومضطربة. وإلى القارئ الكريم تحقيقها:

1-قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد قال: حدثنا أسباط، عن السدي. فذكر القصة.

والسدي: هو إسماعيل بن عبد الرحمن.

قال الإمام المزي في «تهذيب الكمال» (2/190/456) : إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي أبو محمد القرشي الكوفي الأعور، سكن الكوفة، وكان يقعد في سُدَّة باب الجامع بالكوفة، فسمي السُّدي، وهو السدي الكبير، روى عنه أسباط بن نصر الهمداني. اهـ.

قال الحافظ ابن حجر في «التقريب» (1/72) : «إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة السدي، من الرابعة» . اهـ.

قلت: وهي طبقة تلي الطبقة الوسطى من التابعين، جُلُّ روايتهم عن كبار التابعين. كذا قال الحافظ في المقدمة. وبهذا يتبين أن الخبر الذي جاءت به القصة عن السدي مقطوع وليس بمرفوع. قال البيقوني:

وما أضيف للنبي المرفوع

وما لتابع هو المقطوع

قلت: ومع أن الخبر لا أصل له مرفوعًا، فلم يصح أيضًا مقطوعًا بل هو خبر تالف، فقد أخرج الإمام العقيلي في «الضعفاء الكبير» (1/87/101) عن المعتمر بن سليمان قال: إن بالكوفة كذَّابَيْن: الكلبي والسدي.

وأخرج عن عبد اللَّه بن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت الشعبي، وقيل له: إسماعيل السدي قد أُعْطي حظًا من علم القرآن، فقال: إن إسماعيل قد أعطي حظًا من الجهل بالقرآن. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت