وحين نقارن بين الأمتين في هذا المجال يتبين أنه لا يمكن أن يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها ، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ، ولا ينتظر ما ورائها ، لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة ، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة ، ولا يتفقان في حكم واحد ، على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون ، فلكل منهما ميزان ، ولكل منهما زاوية للنظر ، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال ، هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا ، وذلك - أي المؤمن - يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن شاملة للظاهر والباطن ، والغيب والشهادة ، والدنيا والآخرة ، والموت والحياة ، والحاضر والماضي والمستقبل ، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء ، وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه ، ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان .
أيها الإخوة في الله: نعم .. لا يمكن أن تلتقي حضارة تبنى على الإيمان بالله واليوم الآخر وحضارة تقوم على الكفر بالله وعدم الإيمان بيوم الحساب .
أيها الإخوة في الله: يا طلاب العلم: أيها الدارسون: أيها المتعلمون في فنون المعرفة: إن الأمة الإسلامية تنتظر منكم علماً نافعاً يغنيها عن غيرها ، تنتظر منكم أن تقوم هذه الأمة بعلمها الشرعي أولا ، وبعلومها الأخرى ، تنتظر منكم أن تتحول هذه الأمة إلى أمة كما عهدناها ، رافعة الرأس ، شامخة تقود الأمم ولا تقاد ، ينظر إليها بعين الرفعة والمكانة ، لا كما هو حالنا اليوم .
اسأل الله تبارك وتعالى أن يوقظ أمة الإسلام ، حتى ترجع إلى دينها رجوعاً صحيحاً ، وحتى تتعلم علومها على منهاج شرعي صحيح ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم ارفع شأن هذه الأمة الإسلامية ، اللهم إنا نسألك أن توفق كل طالب علم إلى منهاج سليم في حياته ، اللهم إنا نسألك الإيمان والعلم النافع ، والعمل الصالح ، اللهم إنا نسألك أن تحبب إلينا الإيمان بك ، وأن تزينه في قلوبنا ، وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، وأن تجعلنا من الراشدين ، اللهم أذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين ، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين ، اللهم إنا نسألك أن ترحم موتى المسلمين جميعا ، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ، ربنا إنك رءوف رحيم .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين,,
مَا هِيَ النَّوَازِلُ؟!!
النَّوازِل: هِيَ الأُمُورُ الكِبَارُ التي تَنْزِلُ بالأمَّةِ، وَقُورِنَتْ بالفتَنِ؛ لأنَّ النَّوَازِلَ الكبَارَ يَقَعُ فيها الاخْتِلَافُ بينَ العلمَاءِ، وَبَينَ النَّاسِ، وَيَكْثُرُ الخَوضُ فيها ومِنْ هنَا لَمَّا وَقَعَتْ الفتنُ على المسلمينَ في بلَاد الأنْدَلُسِ، ثُمَّ فِي بِلَاد الْمَغْرِبِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي بِلَادِ الْمَشْرِق وَأَشَدَّ, كَبُرَتِ النَّوازلُ عنْدَهم وَصَارَ تَعْبِير علمائهمْ بِعِبَارةِ النَّوَازلِ بَدَلَ الفَتَاوَى لأنَّ النَّازِلَةَ كأَنَّهَا حَادِثَةٌ كبيرة وَلَيسَت مسْأَلة من المَسَائِلِ تحَتاجُ إلى جَوابٍ، وَإِنَّما هي نَازِلَةٌ، تَحْتَاجُ إلى علَمَاء وَاجْتِهَادٍ، وَنَظَرٍ، وَتَدَبُّرٍ...إلخ.
الْقَضِيَّةُ الْأُوْلَى: أَنَّ الْفِتَنَ تَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ!!
وَيَجْدُر بِنَا أن نُنبِهَ إلَى أنَّ الابْتِلَاءَ وَالامْتِحَانَ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ لَا يَخْرُجُ منْهَا أَحَدٌ: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35] .
وَبَعْضُ الناسِ يظنُّ أنَّ الفتنَ خاصَّةٌ بالشَّرِّ ، فإذَا نزَل بالمسلمين أو بأيِّ أمةٍ منَ الأمَمِ نَازِلَةٌ من بَلاءٍ ومُصِيبَةٍ، ونحو ذلك؛ ظَنَّ أنَّ هذه هي الفِتْنَةُ، وَالبَلِيَّةُ التي أَصَابَتْهُمْ، بَينَمَا الأمَّةُ التي لم يصِبْهَا هذَا، وإنَّمَا أصَابَهَا نَوعٌ آخرٌ من الابْتِلَاءِ، وَهُوَ الابْتِلَاءُ بالرَّخَاءِ، وَكَثْرَةِ الخَيرِ والإمْهَالِ؛ اخْتَلَطَ عليه الأمْرُ وظَنَّ أنَّ الفتَّنَةَ عنْدَ أولئكَ، وَهُوَ بالنِّسْبَةِ لَهُ وَلِمَنْ حَوْلَهُ لَيسَ عنْدَهُمْ فتنةٌ، وَهَذَا خطَأٌ ؛ لأَنَّهُ أحيانًا تكون الفتنَةُ في الرَّخَاءِ أشَدَّ منْهَا في البَلاءِ ، ومن عَرَفَ التَّاريخَ وحَيَاةَ السَّلَفِ الصَّالحِ؛ وَجَدَ أنَّهم أدْرَكوا هذه الحقيقةَ العظيمةَ ، وهو أنَّهمْ يُبْتَلَونَ بالخير وبالشَّرِّ، وَلَكنْ يقُولُونَ: وَجَدْنَا أنَّ صبْرَنَا عَلَى الرَّخَاءِ يحْتَاجُ منَّا إلى جُهْدٍ أَشَدَّ مِنْ صَبْرِنَا عَلَى الشِّدَّةِ .
وَالأَمْرُ إذا عُرِفَ على هذا الوجْهِ فَإِنَّ طَالبَ العِلْمِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَامَلَ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ مَعَ الفتنِ بهذه النَّظْرَةِ العامَّةِ الشَّامِلَةِ التي تَجْعَلُ الإنسَانَ يتَدَبَّرُ حالَهُ ِومن حوله، وَكَيفَ يتَعَامَلُ معَ واقِعِهِِ مِِن خِلَال أَنَّ الفتنَةَ قدْ تكونُ في الخير، وقد تَكونُ في الشَّرِّ ، بلْ إنَّ الفتنةَ في الخير هي التي تَصْحَبُهَا الغَفْلَةُ، وَأَحْيَانًا الإعْرَاضُ، وَالسَّهْوُ، وَالنِّسْيَانُ الذي يُؤَدِّي بالإنْسَانِ إلَى التَّمَادِي في التَّقْصِيرِ، وَالمخَالَفَاتِ ونحو ذلِكَ، وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نَظْرَةُ المسْلِمِ إلَى الواقعِ الذي يَعِيشُهُ اليومَ نَظْرَةٌ فَاحِصَةٌ، وَلَيستْ نَظْرَةَ أولئك الأنْعَامِ الذين يَرَونَ أنَّه إذَا وُجِدَ الأكْلُ وَالشرْبُ فَهُم في خير وَنِعمَةٍ، وَإِذَا لمْ يَجِدْ الأَكْلَ أَوِ الشُّرْبَ هذِه هيَ الفِتْنَةُ وَالبَلِيَّةُ!!
هَذِهَ ِطَرِيقَةُ العَامَّةِ الذين لَا يَفْقَهونَ، وَلَا يَعْلَمُونَ لَكِنَّ طَالِبَ العِلْمِ هو الذي يَغُوصُ في مَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الأمُورِ ، ويُدْركُ أنَّ المجتمع إذا أصَابَهُ الرَّخاءُ فَلَرُبَّمَا كَانَ مفتونًا أَشَدَّ منْ ذلك المجتمع الذي تُصِيبُهُ الشِّدَّةُ.
وَأَنَا كنْتُ أحْيَانًا أَقُولُ لبعضِ إخْوَانِنَا مثلًا في بلَادِ اليَمَنِ؛ فَبِلَادُهمْ بِحَاجَةٍ شَدِيدةٍ؛ تَجِدُ هناكَ الشَّابَّ في الثَّانويَّةِ أو الجَامِعَةِ لا يملكُ شيئًا ليسَ لَدَيهِ سَيَّارَةٌ أَوْ جَوَّالٌ أَوْ مَالٌ، وَبالمقابلِ تَجِدُ الشَّابَّ عندنَا بالثانوية شابٌّ لديهِ سيَّارة، وَمَالٌ وَجَوَّالٌ،... إلى آخرهِ, ومنْ خلالِ نَظْرَةٍ فاحصٍَة، وَجَدْتُنَا معَ هذا الرَّخَاءِ فَقَدْنَا كثيرًا من الجِدِّيَّةِ وَالهمَّةِ، وَصَارَ كثيرٌ من شبَابِنَا بلَا هُوِيَّةٍ لَا يَحْمِلُونَ مُعَانَةً؛ فَكنتُ أقُولُ لبعضِ الإخْوَانِ هنَاكَ صحيحٌ وَالله الفَقْرُ لَا يُحِبُّهُ أَحدٌ، وَالنبي صلى الله عليه وسلم تعَوَّذَ منه، لَكِنِ الفتنَةَ التي وَقَعَ فيهَا إخوانكمْ في الرَّخَاءِ ربمَا تَكُونُ أَشَدَّ منْ الفتنَةِ التي وَقَعْتُمْ فيهَا أَنْتُمْ؛ فَهُنَاكَ يَخْرُجُ الشَّابُّ رجلًا قويًّا يسْتَنِدُ علَى نفْسِهِ, هَّمُتُه عَاليَةٌ, يَكْفِيهِ القَليلُ.