فهرس الكتاب

الصفحة 8227 من 9994

وَلَقَدْ حَضَرْنَا دَورَاتَ هُنَاكَ, وَالمدْرَسةُ في منْطِقَةٍ سَاحليَّةٍ حارَّةٍ، وَلَيسَ فيهَا مُكَيِّفَاتٌ لَا يوجَدُ بهَا إلَّا مَرَاوحُ ، وَالسَّكَنُ دَاخِلِيٌّ يَعْنِي هُوَ إذَا أتَي منْ قريَتِهِ يجْلِسُ شَهْرًا وَنِصْفًا فِي هذه الدَّورَةِ ، لَا يَخْرُجُ يَتَلَقَّى دُرُوسَهُ فيه، وَيَنَامِ فيه ومعَ ذلكَ تَجِدُ هِمَّةً، وَنَشَاطًا، وبعْضُ الشَّبابِ هُنَا يَفِرُّ منْ طَلَبِ العِلْمِ؛ إذنْ نَنْتَبِهُ لِأَنَّ الفتنَ تكونُ في الخير، وَالشَّرِّ.

القَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ: قَضِيَّةُ غَلَبَةِ الكُفَّارَ

وَهذه القضيَّةُ التي ربَّمَا منَ المهِمِّ أنْ نُدْرِكَهَا: قضيَّةٌ كبيرةٌ جِدًّا، وَهِيَ تلكَ الفتْنَة التي أَحاَطتْ بالأمَّةِ, مَا أشْهَرَ مظَاهرهَا،وَعَلَامَاتِهَا: غَلَبَةُ الكفَّارِ، وَاجْتِمَاعهمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَضَعْفُ المسلمِينَ, وَتَفَرُّقُهمْ , وَلَا شكَّ أنَّ هذه الفتنة هي من أعْظَمِ الفِتَنِ التي يعيشهَا المسلمونَ هذه الأيَّام ؛ لأَنَّهُ يَرَى دينَهُ هو الدِّينُ الحقِّ، وَمَنْهَجَهُ هو المنهَجُ الحقِّ، وَيَرَى الكفَّارَ عَلَى هذهِ الصِّفَةِ ثم يَرَى هذه الحال: ضَعْفُ المسلمينَ، وَتَفَوُّقُ الكافرينَ، يَرَى هذِه الحَالَةَ العجِيبةَ التي تحيطُ بالأُمَّةِ فَتَكَادُ تَفْتِنُهُ عنْ دينِهِ، وَتَصْرِفُهُ عنْ مِنْهَاجِ رَبِّهِ صلى الله عليه وسلم.

كَيفَ نُوَاجِهُ هذه الفتنةَ الواقعَةَ التي اخْتَلَطَتْ فيهَا الأمُورُ؟!!

هَذِهِ الفِتْنَةُ الكُبْرَى التي هِيَ جُزْءٌ مِنَ امْتِحَانٍ رَبَّانِيٍّ سبحانه وتعالى يَتَعَامَلُ المسْلِمُ مَعَهَا من خِلَالِ منْهَجَينِ بَسِيطَينِ:

الأَمْرُ الأَوَّلُ: أَنْ يُوقِن أَنَّ دِينَ الله تعالى لَا يَتَغَيَّر وَلَنْ يَتَغَيَّر، وأنَّ مَهْمَا أَحَاطَ بالمسلمين مِن ضَعْف، أو هزيمة ،أو غير ذلك مِن الأمور التي يَأْسَى لها قلب الْمُسْلِم, فعليه أَلَّا يَتَطَرَّق الشَّك إِلَى أَيِّ شَيءٍ مِن دِينِهِ وَأَصْلِه ..

نَعَمْ؛ قَد تَنْظُرَ نَظْرَة إِلَى حَالِ المسلمين ، وَإِلَى ضَعْفِ المسلمين، وَقَدْ تَتَّهِم المسلمين بالتَقْصِير ..وكذا ، ..وكذا، لَكِنْ احْذَر كُلّ الْحَذَر أَنْ تَتَّهِم الدِّين الذي تَرجِع إليه, احْذَر كُلُّ الْحَذَرِ أَنْ يِصِلَ الأمر إِلَى الدِّين ، فإِنَّ أخطر الفِتَن التي تَمُر عَلَى الْإِنسانِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأحوال أَنْ يُتَجَه بالتُّهْمَة إِلَى الدِّين .

إِنَّ الْإِنْسَانَ الْمُسْتَبْصِر الذي يَعْرِف الأمور بِشَكْلِهَا الصَّحِيح يَتَّهِم حَال الْأُمَّة، وَيَتَّهِم نَفْسَه بِالتَقْصِير، يَنْظر إِلَى الْمَعَاصِي، يَرَى العُقُوبَات الربَانِيَّة، وَلَكِنِّهُ لَا يُمْكِن أَنْ يَتجه إِلَى اتهام الدِّين إِذَا سَلِمَ الْمُسْلِم ، وَإِذَا سَلِمَ طَالِب العِلْم مِن هَذِهِ القَضِيَّة فَهِيَ بِدَايَةُ النَّظْرَةُ الصَّحِيحَة .

إِذًا: فَأَخْطَر مَا يَمُر عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذَا الْمَوضِع أَنْ يَشُك فِي دِينِهِ وَمَنْهَجِه، فإِمَّا أَنْ يَشُك فِي دِين الْإِسْلام عُمُومًا ، أَوْ يَشُك فِي مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنة والْجَماعَةِ خُصُوصًا، فَإِذَا وَصَل بِهِ الْأمر إِلَى هَذِهِ الحال فَلْيَعْلَم أَنَّه فِي وَسَطِ الفِتْنَة !!.

إِنَّ أصحَابَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد أَصَابتهم الفِتَن والشِّدة مَعَ أَنَّ قَائِدهم رَسُول الله، ومع هذا وصلت الشِّدة بالمسلمين فِي زَمَنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم إِلَى أَنْ يَذْكُرهم الله عز وجل بقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214] .

وَمَع هَذَا مَا تَطَرَّق الشَّك إِلَى دِينِهم أَبَدًا !!.

وفِي هَذَا العَالَم - عَالَمُ الصِّراع الضخم جدًّا - وفِي هَذِهِ الفِتَنة الكُبْرى، وفِي هَذِهِ الظُّلْمَة العُظْمَى التِي تُحِيط بِالعَالَم اليَوم يَنْبَغِي أَنْ نَنْطَلِق مِن خِلَالِ نُورِ وَصِحَة هَذَا الدِّين ، وَأَنَّهُ هُوَ هُوَ ، لَمْ يَتَغَيَّر، وَلَنْ يَتَغَيَّر أَبَدًا، هَذَا هُوَ الْأَسَاسُ الْأَوَل اَلذي يَنْطَلِقُ مِنْهُ الْمُسْلِم بِالنِّسبَةِ لِهَذِهِ الفِتْنَة .

الأمْرُ الثَّانِي: يَنْبَغِي للمسْلِمِ فَيهَا أَنْ يَنْظُرَ إلى سُنَّةِ الله عز وجل فِي كِتَابِهِ وَإِلَى سُنَّةِ رَبِّ العَالَمِينَ عز وجل فيمَا جَرَى مَعَ أَنْبِيَاءِهِ، وَرُسُلِهِ، وَمَع نبيِّهِ محمد صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ, مَا هِيَ سُنَّةُ الله عز وجل؟

سُنَّةُ الله عز وجل هيَ: المُدَاوَلَةُ، لكنَّ العَاقبةَ للمتَّقِينَ، وَسُنَّةُ الله مع رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: يَدُولُ عَلَينَا، وَنَدُولُ عَلَيهمْ مَرَّةً، لكنَّ العَاقبةَ له صلى الله عليه وسلم وَلِمَنْ مَعَهُ مِنَ المؤمِنِينَ, وَمَنْ لَمْ ينْظرْ بهذه النَّظْرَةِ فلابدَّ أنْ يخْتلَّ عنده التَّعَاملُ معَ الفِتَنِ الوَاقعةِ.

مِثَال: بَعْضُ النَّاسِ اليَومَ يظُنُّ أنَّ الإسْلَام لنْ ينْتصرَ؛ عنْده قضيَّة أنَّ الإسْلَام سينْتَصِرْ يومًا منَ الأيَّام، بعضهمْ ينْظرُ - اليوم - إلى أنَّ الغرْبَ هوَ المسَيطِرُ، وَيَبْقَى هوَ المسَيْطِرُ مَا بقَي الزَّمَن، وَهذه كلُّهَا نظَرَاتٌ تُخَالِفُ مَا هو منْصُوصٌ عَليه في سُنَّةَ الرسول، وفي كتاب الله سبحانه وتعالى .

نَعَمْ! هناكَ منْ يَنْظُرُ بهذه النَّظْرَةِ العَجِيبَةِ التي تَتَحَدَّثُ عنْ أنَّ الوَاقعَ المعَاصِرَ منْ خِلَال آلِيَّاتِهِ وَتِقْنِيَاتِهِ، وَاخْتِرَاعَاتِه، وَفِتَنِهِ، ضَرْبَةٌ تُلَازِمُ ضَعْفَ المسلمين، وَغَلَبَةَ الكُفَّارِ للأَبَدِ !!

وَنَحْنُ نَقُولُ كلَّا, احْذَرْ منْ هذا!!

فَإِنْ قَالَ قَائلٌ: وهلْ يكْفِي أنْ أقول هذَا؟!

نَقولُ: إذَا قلتَ، وَآمَنْتَ، وَصَدَّقْتَ بِهَذَا -أنَّ سُنَّةَ الله عز وجل بالمُدَاوَلَةِ، وَأَنَّ الله سبحانه وتعالى يَنْصُرُ عِبَادَهُ المتَّقِينَ؛ بَدَأْتَ تَسْلُكُ الطَّرِيقَ الصَّحِيحَ، وَهذه الفِتْنَةُ اليَوم هِيَ منْ أعْظَمِ الفِتَنِ، وَالنَّوَازِلِ الكُبْرَى بالأمَّةِ الإسْلَاميَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت