فهرس الكتاب

الصفحة 3826 من 9994

#النصيحة دلائل ونماذج

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:

"النصيحة دلائل ونماذج"دلائل نستنبطها من وجود النصيحة في الفرد والمجتمع إن كانت موجودة فدلالاتها خيرة كثيرة وإن كانت مفقودةً فدلائل الخير المذكورة تكون مفقودة أيضاً .

من دلائل وجود النصيحة في الفرد:

أولاً: حبه الخير للآخرين

فإن الناصح إنما ينصح من محبة وشفقة ، ويحقق كمال الإيمان الذي دعي في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .

فإن رأى غفلة - وهو ذاكر - نصح بتذكير ، وإن رأى خطأً وهو مصيب وجّه إلى الصواب يريد للجميع أن يكونوا على طريق مرظاة الله - عز وجل - يحب لهم المثوبة والأجر ويخشى عليهم العقوبة والوزر .

تلك مشاعر إيمانية يدل على وجودها وجود النصيحة .

والدليل الثاني وهو مهم أيضاً:الغيرة على دين الله

فإن القلب المؤمن الحي لا يقبل أن يرى مخالفةً ، ثم لا يتأثر والوجه المشرق بضياء الإسلام لا يمكن أن يرى منكراً ولا يتمعر .

إنها دلالة على ما كان - عليه الصلاة والسلام - كان يعفو ويسامح ، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه قائم .

إنها غيرة تكون في قلوب أهل الإيمان تدفعهم إلى أن يغيروا ما فيه مخالفة ومعصية ، فيجدون سبيلهم الأول وطريقهم الأقوم في الدعوة في الحكمة والموعظة الحسنة ، والنصيحة بالأسلوب المناسب المؤثر .

ثالثاً: إدراك المسؤولية ومعرفة الواجب .

فإن النصح ليس أمراً اختيارياً ولا شأناً اجتماعياً إنه فريضةً ربانية وشريعة إلهية ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ؛ فإن لم يستطع فبلسانه ؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .

إن الإيمان يكاد أن يتلاشى وجوده ويعفى أثره إذا لم يكن أمراً بمعروف ، ونهي عن منكر ، قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } .

رابعاً: نقاء القلب وصفاء النفس

فإنه لا يمكن أن تكون تلك الغيرة الإيمانية ، ولا النصيحة الخالصة ، ولا محبة المؤمنين ما لم تكن القلوب نقيةً من كدر المعاصي ، وما لم تكن النصوص صافيةً من شوائب التوحيد والتخليط .

فإن قضيتنا المهمة: كيف تبقى قلوبنا مشرقة بالإيمان ؟ كيف تبقى نفوسنا نقيةً بالتعلق بالرحمن سبحانه وتعالى ؟

والله جل وعلى يقول: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم } .

إن تقوى الله تجعل في القلب ميزاناً دقيقاً ، يفرق بين الحق والباطل ونفساً شفافةً تتأثر لأدنى مخالفة وتحس بها .

واليوم - وقد اسودت القلوب - وقست إلا من رحم الله ، وأظلمت النفوس ، ولم يعد أحد يشعر بشيء يدعوه إلى نصحٍ أو يدفعه إلى غيرة أو يجعله يدرك مسئولية وواجباً .

إذا فالقلوب قد انتكست ورتكست أحوالها ، والنفوس قد تقلبت واستبدت بها أهواءها .

ولذلك ينبغي لنا حينئذٍ أن ندرك جسامة أمر النصيحة وعظمتها ، وأنّ وجودها يدل على تلك الحقائق الإيمانية والتربية الإسلامية ، وأن فقدها كأنما فقدت به تلك المعاني كلها !

وأما دلائل وجود النصيحة في المجتمع وفي الجماعة أي أن تكون النصيحة أمراً شائعاً غير مستنكرٍ كما قد نرى اليوم .. من ينصح يقال له:"ما لك ولناس ؟!"، من ينصح يقال له:"لماذا تريد أن تثير الشغب ، وأن تدخل الخلاف ، وأن تشقّ الصف ؟!".

أما حقيقية النصيحة إن وجدت في المجتمع وكانت قائمةً الناس بها ينطقون وبأمورها ولوازمها يعملون ، والمنصوحون للناصحين يشكرون ، ومنهم يتقبلون ، وبنصحهم يعملون ، فحينئذٍ تتجلى صور عظيمة من أجلها وأهمها تحقق حقيقية المجتمع الإسلامي المتكامل المتكافل ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .

وكما روى البخاري في الأدب المفرد ( المؤمن للمؤمن كاليدين يغسل إحداهما الأخرى ) .

أين هذه الصورة إذا لم تكن نصيحة ، ولم يكن أمر ونهي ، ولم يكن ذلك التواصل الذي يشيع في المجتمع ؟

ولا تكون النصيحة غريبةً مهجورةً كأنما فاعلها جاء من زمنٍ آخر ، أو من كوكب آخر أو يتكلم بلغة أخرى وذلك من عجائب زماننا هذا .

تحقيق الرسالة وصفة وصبغة الأمة ؛ فإن أمة الإسلام جعلت أمةً كاملةً في ذاتها ومكملةً لغيرها كما

قال تعالى: { كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت