الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:
"النصيحة دلائل ونماذج"دلائل نستنبطها من وجود النصيحة في الفرد والمجتمع إن كانت موجودة فدلالاتها خيرة كثيرة وإن كانت مفقودةً فدلائل الخير المذكورة تكون مفقودة أيضاً .
من دلائل وجود النصيحة في الفرد:
أولاً: حبه الخير للآخرين
فإن الناصح إنما ينصح من محبة وشفقة ، ويحقق كمال الإيمان الذي دعي في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
فإن رأى غفلة - وهو ذاكر - نصح بتذكير ، وإن رأى خطأً وهو مصيب وجّه إلى الصواب يريد للجميع أن يكونوا على طريق مرظاة الله - عز وجل - يحب لهم المثوبة والأجر ويخشى عليهم العقوبة والوزر .
تلك مشاعر إيمانية يدل على وجودها وجود النصيحة .
والدليل الثاني وهو مهم أيضاً:الغيرة على دين الله
فإن القلب المؤمن الحي لا يقبل أن يرى مخالفةً ، ثم لا يتأثر والوجه المشرق بضياء الإسلام لا يمكن أن يرى منكراً ولا يتمعر .
إنها دلالة على ما كان - عليه الصلاة والسلام - كان يعفو ويسامح ، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه قائم .
إنها غيرة تكون في قلوب أهل الإيمان تدفعهم إلى أن يغيروا ما فيه مخالفة ومعصية ، فيجدون سبيلهم الأول وطريقهم الأقوم في الدعوة في الحكمة والموعظة الحسنة ، والنصيحة بالأسلوب المناسب المؤثر .
ثالثاً: إدراك المسؤولية ومعرفة الواجب .
فإن النصح ليس أمراً اختيارياً ولا شأناً اجتماعياً إنه فريضةً ربانية وشريعة إلهية ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ؛ فإن لم يستطع فبلسانه ؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .
إن الإيمان يكاد أن يتلاشى وجوده ويعفى أثره إذا لم يكن أمراً بمعروف ، ونهي عن منكر ، قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } .
رابعاً: نقاء القلب وصفاء النفس
فإنه لا يمكن أن تكون تلك الغيرة الإيمانية ، ولا النصيحة الخالصة ، ولا محبة المؤمنين ما لم تكن القلوب نقيةً من كدر المعاصي ، وما لم تكن النصوص صافيةً من شوائب التوحيد والتخليط .
فإن قضيتنا المهمة: كيف تبقى قلوبنا مشرقة بالإيمان ؟ كيف تبقى نفوسنا نقيةً بالتعلق بالرحمن سبحانه وتعالى ؟
والله جل وعلى يقول: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم } .
إن تقوى الله تجعل في القلب ميزاناً دقيقاً ، يفرق بين الحق والباطل ونفساً شفافةً تتأثر لأدنى مخالفة وتحس بها .
واليوم - وقد اسودت القلوب - وقست إلا من رحم الله ، وأظلمت النفوس ، ولم يعد أحد يشعر بشيء يدعوه إلى نصحٍ أو يدفعه إلى غيرة أو يجعله يدرك مسئولية وواجباً .
إذا فالقلوب قد انتكست ورتكست أحوالها ، والنفوس قد تقلبت واستبدت بها أهواءها .
ولذلك ينبغي لنا حينئذٍ أن ندرك جسامة أمر النصيحة وعظمتها ، وأنّ وجودها يدل على تلك الحقائق الإيمانية والتربية الإسلامية ، وأن فقدها كأنما فقدت به تلك المعاني كلها !
وأما دلائل وجود النصيحة في المجتمع وفي الجماعة أي أن تكون النصيحة أمراً شائعاً غير مستنكرٍ كما قد نرى اليوم .. من ينصح يقال له:"ما لك ولناس ؟!"، من ينصح يقال له:"لماذا تريد أن تثير الشغب ، وأن تدخل الخلاف ، وأن تشقّ الصف ؟!".
أما حقيقية النصيحة إن وجدت في المجتمع وكانت قائمةً الناس بها ينطقون وبأمورها ولوازمها يعملون ، والمنصوحون للناصحين يشكرون ، ومنهم يتقبلون ، وبنصحهم يعملون ، فحينئذٍ تتجلى صور عظيمة من أجلها وأهمها تحقق حقيقية المجتمع الإسلامي المتكامل المتكافل ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
وكما روى البخاري في الأدب المفرد ( المؤمن للمؤمن كاليدين يغسل إحداهما الأخرى ) .
أين هذه الصورة إذا لم تكن نصيحة ، ولم يكن أمر ونهي ، ولم يكن ذلك التواصل الذي يشيع في المجتمع ؟
ولا تكون النصيحة غريبةً مهجورةً كأنما فاعلها جاء من زمنٍ آخر ، أو من كوكب آخر أو يتكلم بلغة أخرى وذلك من عجائب زماننا هذا .
تحقيق الرسالة وصفة وصبغة الأمة ؛ فإن أمة الإسلام جعلت أمةً كاملةً في ذاتها ومكملةً لغيرها كما
قال تعالى: { كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} .