قال ابن كثير:"أمرت هذه الأمة بتكميل نفسها بالإيمان بالله عز وجل ، وتكميل غيرها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وذلك هو سمة هذه الأمة تصحح واقعها ، وتدعوا غيرها ، هي أمة الرسالة الخاتمة ، وهي أمة الهداية التامة هي أمة الشريعة الكاملة ، هي أمة الكتاب المحفوظ ، هي أمة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ، هي أمة القيادة في هذه البشرية .. لا تتحقق لها السمات ، ولا تؤدي هذه الرسالة ، ولا تحقق هذه الغاية ؛ ما لم تكن النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شائعاً فيما بينها ، يتعلم عليه الصغير ، ويشب عليه الكبير ، ويختم به حياته من قد دب في العمر ، وبلغ مبلغاً عظيماً ، يكون شائعاً بين الرجال ، معروفاً بين النساء ، قائماً بين العلماء وطلبة العلم ، وبين الحكام والمحكومين ، والرعاة والرعية .. فحينئذٍ تظللنا سحائب الرحمة ، وتتنزل علينا خيرات وسمات هذه الأمة .
وتلك دلائل موجزة ، واخترت أن أذكر نماذج من نصائح غالية ثمينة ، ومواعظ مؤثرة بليغة في مجالاتٍ شتى بين آباءٍ وأبناء ، بين رعاة ورعية ، بين أصدقاء وأخوان .
حتى نرى كم لهذه النصائح من أثرٍ في بلاغتها وفي تأثيرها ، وأنها رغم طول زمانها قد حفظت لما لها من نفع وفائدة . وكم نحن في حاجةٍ إلى أن نتأمل هذه المعاني ، ونعلم حينئذٍ أن مثلها لم يكن ليكون لولا أن النفوس إلى النصيحة توجهت ، والعقول فيها تدبرت وتفكرت ، وكان ذلك أمراً مقصوداً ، تبذل فيه الجهود والأوقات ، ويبحث فيه في النصوص والدلائل ويلتمس فيه حينئذٍ الأسلوب النافع المؤثر ، والكلام البليغ الدال على عظيم المعاني وجليل المفاهيم .
هذا الحسن البصري - رحمه الله - من أئمة التابعين ، ومن كبار الناصحين ومن مشاهير الوعاظ رأى رجلاً راجعاً من جنازةٍ فسأله قائلاً: أتراه - أي هذا الميت - لو رجع إلى الدنيا لعمل صالحاً ؟!
فقال الرجل: نعم ، قال: فإن لم يكن هو فكن أنت .
أي إن لم يكن هو قادر على ذلك ؛ لأنه قد طواه الموت ، وغيبه الثرى ، وصار في باطن الأرض ، فكن أنت قبل أن تكون في مقامه فلا مجال لزيادة عمل صالح !
قال تعالى: { قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن وراءهم برزخ إلى يوم يبعثون } .
أي فكرٍ كان عند الحسن ؟ وأي قلبٍ كان عنده ؟ حتى كان متيقظاً منتهزاً للفرصة ، مستغلاً لموضع العبرة ، متأملاً في حسن الأسلوب ، مبتدئاً بسؤالٍ ، رابطاً بمقارنه ، مذكّراً بحقيقة ملموسة ..
ولعلنا نستحظر ما هو أعظم من ذلك وأجل ، يوم كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يسير مع بعض أصحابه ، فرأى في موطنٍ نائٍ جدياً أسك ميتا - جدياً مقطوع الأذن ميتاً - فقال عليه الصلاة والسلام: أيكم يشتري هذا بدرهمين ؟ فسكت الصحب الكرام ، قال: أيكم يشتريه بدرهم ؟ فسكتوا ، ثم قال أحدهم: يا رسول الله والله لو كان حياً لكان عيبه صارفاً عنه ! فقال صلى الله عليه وسلم بعد هذه اللفتة الذكية ، وبعد هذا السؤال الأريب: ( والله لهوان الدنيا على الله أهون من هذا على أحدكم ) .
فأي موعظة أبلغ ؟ وأي نصيحة أعظم ؟ وأي تأثير أكبر من صورة حية متجسدة ؟ ما الذي أوقفه ؟ ما الذي جعله ينبّه ؟ إنه قلب حي .. إنها شفقة غامرة .. إنه حرص على أمته وأصحابه عظيم .. إنه ذكاء متوقد يعرف كيف يجعل من الحركة والسكنة والموقف مجالاً ليكون عظةً وعبرة .
كم نرى من المواقف ، ولكن ليس هناك عقولاً تفكر ، ولا قلوباً تتحرك ، ولا غيرة تتقد ، ولا محبة تفيض ؛ فتمر المواقف تباعاً ليس موقفاً عارضاً بل مواقف جسيمة ، وأحداث عظيمة ، لا تجد ما يقف عندها ليتدبر ويتعظ لنفسه ، فضلاً عن أن يؤثر وينصح ويبلغ غيره ! كم في هذا المعنى وفي مثل هذه المواقف من دلائل ! وكم في هذه النماذج من عبر !
عبد الله بن عباس رضي الله عنه كان قريباً من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، يدنيه منه ويدخله إلى مجلسه ، ويجعله من مستشاريه .. تلك المكانة العظيمة ، والجاه الكبير ، والمنزلة الخاصة ، لفتت نظر والده العباس بن عبد المطلب - عم النبي صلى الله عليه وسلم - فتوجه بالنصيحة لابنه ، فبأي شيء أوصاه ونصحه ؟ لو كان لنا اليوم قريب يدخل على الملك أو الأمير ما عسى أن نطلب منه .. شفاعة في أمرٍ دنيوي ، أو وسيلة إلى كسبٍ مادي ، قال له العباس رضي الله عنه وأرضاه:
"يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك - أي يخلو بك ويجلس معك منفرداً - ويستشيرك ن ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإني أوصيك بخلالٍ أربع: لا تفشين له سراً ، ولا يجربن عليك كذبا ، ولا تغتابن عنده أحداً ، ولا تطو عنه نصيحة"