فهرس الكتاب

الصفحة 8195 من 9994

الإيمان الحق اعتقاد سليم وعمل صحيح، جهاد وتضحية، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ولاء وبراء، مظهر ومخبر، بذل للندى، وكف عن الأذى، وخروج عن الأنانية المقيتة ونصرة للنفس المسلمة المظلومة.

وبهذا يتبين خطأ نظرتين للإيمان إحداهما جافية، والأخرى غالية.

أما الجافية فترى أن مجرد الإيمان بالله كاف حتى وإن ضيعت الصلاة وقُصر في أداء الزكاة واختلطت المعاملات الحلال بالحرام، بل يكثر هذا الصنف الجافي من القول: لا داعي للتركيز على المظاهر، فالمخابر هي الأساس، وهؤلاء يهدمون الإسلام لبنة لبنة، حتى إذا لم يبق إلا شبح البناء تهاوى وبكى على الأطلال.

أما الصنف الغالي فهم يعظمون الصغير ويكفرون على الذنب الكبير، وربما فتحوا معارك في خطأ علاجه بالحسنى أجدى وأولى، وربما جعلوا احتقار الناس دينا والتنقص من أمرهم دينا وشرعا والله يقول: فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى [النجم:32] .

إن دين الله هو وسط بين الغالي والجافي، والحكم عند التنازع: كتاب الله وسنة رسوله صلى عليه وسلم ونظرة واسعة لهما وفهم عميق.

اللهم سددنا في أقوالنا وأفعالنا، وهب لنا إيمانا تصلح به سرائرنا وعلانيتنا. . .الخ

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أيَّها المسلمون:

إنَّ لهذه الأمةِ خصائصَ تُميزها , ومزايا تخُصها , تنفردُ بها عن غيرِها من الأمم , ولا عجب !!

فهي الأمةُ الوسط، وهي الأمةُ المجتباة، وهي الأمةُ المختارة لتكونَ شاهدةً على الأمم مُقدمةً على الشعوب.

هذه المرتبةُ المتميزة , والمكانةُ المتسنمةُ فوق القمم , لم تكنْ لتحدثَ هكذا اعتباطاً, فهي ليست لسوادٍ في أعينِ أبنائِها, ولا لفتوةٍ في مناكبِ شبابها، ولكنْ , (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) [آل عمران: 110] .

فبالأمرِ بالمعروف , وبالنهي عن المنكر, حظيت الأمةُ برفعةِ المنزلة, وفازتْ بقصبِ السبق وتسنمتْ علوَ المقام..

ولنا أن نتساءل , تُرى ، أما زالتِ الأمةُ ، محتفظةً بأسبابِ رفعتها, ومناطِ عزِّها وفخرِها؟

أما زالتْ السفينة محتفظةً بتوازنِها, ممتنعة متحصنةً ممنْ يريدونَ خرقهَا, ويجتهدونَ في إغراقِها؟

تجيبُك أيها الأخُ الكريم ، تلك الجموعُ الهائلةِ ، حولَ الأضرحةِ, والمشاهد , تستغيثُ بغير اللهِ سبحانه ، وتنزلُ حوائجِها بمنْ لا يملكُ نفعاً ولا ضُراً , ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً !

وتجيبك جموعُ المتخلفينَ عن الصلواتِ المكتوبة،المنشغلينَ عنها بسفا سفِ الأمور.. وخيبةِ الدهورِ!

تجيبك تلك الأجسادُ العارية، على شواطئِ البحار ، وضفافِ الأنهار, باسم الترفيهِ والاستجمام!

تجيبك حاناتُ الخمورِ ، وملاعبُ القمار, ودورُ السينما, ومراتع الفساد المنتشرةُ في كثيرٍ من بلادِ المسلمين!

تجيبك , تلك الأجيالُ الهزيلة , من ذوي الاهتماماتِ التافهةِ , والهواياتِ السخيفة, والتي لا تتعدى في مجموعِها صقلَ الوجوهِ, وتلميعَها, وتصفيفَ الشعورِ, وتسريحَها, ومتابعةَ الكرةِ, والتصفيقَ لها!

أيها المسلمون:

هذه بعضُ الثمراتِ المُرَّة في بعضِ ديارِ المسلمين , والتي نتجتْ يومَ عُطِّلت فريضةُ الأمربالمعروف والنهيِ عن المنكر، وأصبح كلُ (ذي هوىً) حراً في فعلِ ما يشاء، في الوقت الذي يشاء ، دون حسيبٍ أو رقيب...

وأمامَ هذا الإسفاف ، يتساءلُ المسلمُ الغيور. ماذا تُراه يصنع , أمام هذا الطوفانِ الجارف , والركامِ النكد؟أتُراه يقفُ مكتوفَ اليدين , مكتفيا بالحوقلةِ, والإسترجاع ملقياً بالتبعةِ على غيره؟ مردداً:

ذهبَ الذينَ يعاشُ في أكنافهم *** وبقيتُ في كنفٍ كجلدِ الأجربِِ

يتحدثون مخافةً وملاذةً *** ويعابُ قائلهم وإن لم يشغبِ

أم تُراه ينجفلُ إلى أهله, مردداً بينه وبين نفسِه , أملكْ عليك لسانَك , وابكِ على خطيئتِك, ولْيسعُكَ بيتُك..

إنَّ الإجابة أيها الغيورُ على محارمِ الله, تجدْها في قولِه جلَّ جلاله: (( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ) ) [هود:16] .

وفي قوله عليه السلام: (( والذي نفسي بيده , لتَأمرنَّ بالمعروف , ولتنهوُنَّ عن المنكر , أو ليوشكنَّ الله , أن يبعثَ عليكم عقاباً من عنده , ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ) ) [1]

أمةَ الإسلام:

إنَّ السبيلَ الوحيد , للحفاظِ على بنيةِ الأمةِ, وتماسكها , في عقائدِها وأخلاقها , وقيمِها, ومبادئها. هو بإقامةِ فريضةِ الأمرِ بالمعروف , والنهيِ عن المنكر وفق منهاجِ النبوة, دون أن تَغرَّنا صولةُ الباطلِ, وجولتُه , وبريقُه, ولمعانه. فمتى تظافرتْ الجهودُ , وحَسنت النوايا , وصدقتْ العزائم , انكمشَ الشرُّ وانزوى , ثم تلاشى وانطفا, واقرأ إنْ شئتَ قولَه تعالى: (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) ).

وقولَه: (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) ).

أيها المسلمون:

كم يُخطىءُ البعض, حينَ , يلجأونَ إلى المقاييسِ المادية , ويَعقدونَ المقارناتِ الحسية , بين الباطلِ, وكثرةِ سوادهِ , وبين الحقِّ, وأهلهِ الغرباء فاالجُوء إلى مثلِ هذه المقاييس , خطأٌ فادحٌ, وغلطٌ كبير , يَشلُ الحركة , ويُثبط الهمم, ويُفترُ الحماس , ويبعثرُ الجهود, ويعطّلُ مسيرةَ البناءِ ..

فالصراعُ بين الفضيلةِ والرذيلة لا يخضعُ أبداً لتلك المقاييسِ الأرضيةِ.. ولا لتلك المعاييرِ الحسية, وإلاَّ لما ذاقَ المسلمونَ حلاوةَ النصرِ في بدرٍ, والقادسية , وعينِ جالوتٍ, وغيرها , من ملاحمِ أُسد الشرى , ونمورِ الورى. ولو كانَ الصراعُ يخضعُ لحسابِ العددِ والعُدة, لما خاضَ داعيةٌ, غمارَ الدعوةِ إلى الله , ولما سابقَ مصلحٌ في مضمارِ الذبِ عن دينِ الله..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت