فهرس الكتاب

الصفحة 8196 من 9994

هذا الإمامُ المجدد , شيخُ الإسلام قدَّس اللهُ روحَه... يرفعُ لواءَ السلفيةِ في نجد , وحيداً فريداً, يومَ كانتْ نجدٌ بؤرةَ الإلحاد , ومستنقعَ الوثنية , يوم كانتْ عبادةُ القبورعلى قدم وساق, وتعظيمُ الأحجارِ والأشجارِ, يعصفُ بما تبقى من عقولِ الرجال , ويذيبُ ما عَلُقَ بالنفوس , من مروءةٍ, ورجولة. رفعَ الإمامُ البطل , لواءَ دعوتهِ, وجاهدَ تلكَ النماذجَ المهترئةَ من البشر,غيرَ هيابٍ, ولا وجلٍ, ووقفَ راسخَ القدمين , أمامَ إعصارِ الفساد المدمر, مستعيناً بالله, متوكلاً عليه , حتى قيض اللهُ للإمامِ من يساندهُ, ويقفُ معه في خندقٍ واحد , حتى تحققتْ المعجزة , وتجسد الحُلم, حقيقةً فوق أرض الواقع، وزهق الباطل, وعادت نجدٌ دوحةَ الإسلام , ومعقلَ التوحيد , ولمثل هذا فليعمل العاملون , هذا أنموذجٌ واحد وغيره كثير..

إذاً فالصراع بين الحقِ والباطل , وبين الفضيلةِ والرذيلة ليس بخاضعٍ أبداً إلى حساباتٍ من نوع ( واحد + واحد يساوي اثنين)

.وإنَّما هو يخضع لمثلِ قولهِ تعالى: (( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ) ).. ولمثلِ قوله: (( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) )ولمثل قوله جلَّ جلاله: (( فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ * وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ *وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) )وغيرها من الآياتِ الواضحات البينات التي تؤكد أنَّ العاقبةَ للتقوى , وأنَّ المستقبلَ للإسلام , وأنَّ القوةَ لله جميعاً , وأنَّ الله شديدُ العذاب.

أيها الأحبةُ في الله:

إنَّ قضيةَ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر , ليستْ قضيةً خاضعةً للبحثِ, والمناقشة ، وتبادلِ وجهاتِ النظر, هل تكونُ أو لا تكون؟!

ولكنَّها قضيةٌ محسومة سلفاً باعتبارِها ركيزةً من ركائزِ الدين , وعموداً من أعمدةِ الإسلام وما ذلك إلا لكونِ المُنكر ليسَ مجردَ مسألةٍ شخصية , تتعلقُ بشخصِ المُنكر , أو بشخصيةِ المُنكرِ عليه، كلاّ , كلاّ ولكنَّ المسألة لها علاقةٌ جدُّ وثيقة بكيانِ الأمةِ كلِّها , فشيوعُ المخالفاتِ الشرعية , ضربٌ للأمةِ في الصميم , وتمزيقٌ لوحدتِها دون شكٍ, أو تردد، وحديثُ السفينةِ المشهور , شاهدٌ حي , بأنَّ أثرَ المُنكرِ , يتجاوزُ حيزَ صاحبهِ , ليمتدَّ بشؤمهِ , وأثرهِ البغيض , فيغمر المجتمعَ كلَّه, بظلالهِ القاتمةِ السوداء, فحين تُخرق السفينة , فلن يميزُ الطوفانُ الجارف , بين مَن خرقَها , ومنْ لم يخرقْها ولكنَّه سيدفنُ الجميع , تحتَ أمواجهِ العاتية.

لقد ظلَّ أنسٌ t يخدمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين , كما حدَّث هو بنفسه , فلم يقلْ له يوماً , لشيءٍ فعلَه لم فعلته ؟ ولا لشيءٍ لم يفعلْه هلاَّ فعلته ( [2] ) ، يا لله العجب , عشرُ سنين من التجاورِ المعيشي, والتلاصق المباشر وَرُغم ذلك , لم يحصلْ العتاب, أو الإنكار , ولا لمرةٍ واحدة !

فهلْ كانَ أنسٌ معصوماً بحيثُ لا يخطئ , أو يفعلْ خلافَ الأولى على أقلِّ تقدير؟!

كلاَّ , كلاَّ فأنسٌ لم يكنْ معصوماً. بل كانَ يُخطئ , وقد يصنع أحياناً ما لا يعجبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالضرورة , لكنّهُ لم يسمعْ عتاباً, ولا إنكاراً, لأنَّ المسألة شخصيةٌ بحته , تتعلقُ بشخصِ الرسولrفقط, ولا مساسَ لها بمستقبلِ الأمةِ, وكيانِها فالتسامُحُ فيها مطلوب , وغضُّ الطرفِ لمثلها مندوب..

لكنْ إليك يا رعاك الله مواقفَ أخرى يحمرُّ فيها وجهُ رسولِ الله غضباً , حين تقعُ المخالفةُ الشرعية ويجترئُ البعضُ على حدودِ الله, فيبادرُ عليه السلام إلى إنكارِ المنكر , في ساعاتِه الأولى , دون أنْ يصبرَ عشرَ سنين , صبرَه على أنسٍ خادمِه.هذه بريرة , أمةٌ ضعيفةٌ مسكينة , يعلنُ أسيادُها عن رغبتهِم في بيعها, فتتقدمُ عائشةُ لشرائِها وعتقِها , على أن يكونَ الولاءُ لها.

فيأبى الأسيادُ , إلاّ أنْ يكونَ الولاءُ لهم , في تعدٍ مكشوف , على شرع اللهِ المطهر ودينهِ المصون. فماذا صنعَ رسولُ الله , r؟ هل غضَّ الطرف , وابتسمَ في وجوهِ القوم , ابتسامتَه للأعرابي يوم جََدَبَ معطفَه , فاحمرَّ لجذبتهِ جنبهُ الطاهر؟!

لقد صعد المنبر , وخطبَ خطبةً عصماء , أنكرَ المنكرَ بشجاعةٍ , وصدعَ بكلمتهِ المشهورة , (( ما بالُ أقوامٍ يشترطونَ شروطاً ليست في كتاب الله , أيُّما شرطٍ ليسَ في كتابِ الله فهو باطل , وإن كانَ مائةَ شرط ) « إنَّما الولاءُ لمن أعتق )) [3]

لم كلُّ هذا الغضب , يا رسولَ الله , لما كلُ هذا الغضب؟

والجواب إنه منكر لا يتعلقُ بشخصهِ الكريم , وإلا لوسعهُ حلمهُ العظيم , فقد عوَّد الأمة , أن يكون حليماً في مواقفَ لا تُعدُ, ولا تحصى..ولكن المنكر في حادثة بريره يمسُّ التشريعَ الإسلاميَ في الصميم, ويصيبهُ في مقتل, فقد وجدَ رسولُ الله r نفسَه أمامَ أناسٍ , يريدون أن يجعلوا من أنفسهِم مشرعين , بسنهم لأنظمة ووضعِهم لشروط , ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان. فكان إنكارهُ عليه الصلاة و السلام , سريعاً حازماً , وقوياً حاسماً!

ولمَّا استنفرَ رسولُ الله r أصحابَه إلى تبوك , تخلفَ كعبٌ, وصاحباه دونَ مبررٍ معقول , أو مسوغٍ مقبول , حتى إذا ما رجعَ رسولُ اللهِ بالجيشِ إلى المدينة , إذا به يتخذُ موقفَه الصلب , وإجراءَه الصارم بحقِّ الثلاثةِ الذين خُلِّفوا, فيأمرُ بهجرِهم , ويُحرِّمُ محادثتَهم ويفرضُ حولَهم سياجاً, منيعاً من العزلة. حتى ضاقتْ عليهم الأرضُ بما رحبت , وضاقتْ عليهم أنفسهم !

فلم كلُّ هذا يا رسولَ الله؟ لم كلُّ هذا؟

والجواب , أنَّ الخطأ الذي ارتكبهُ الثلاثة , والمنكرَ الذي اقترفوه , له مساسٌ بكيانِ الدولة برمتها , وكان يمكن , أن يؤثرَ سَلْباً في نفسياتِ الجيش , المتجهِ لمقاومةِ جيشِ يفوقُه عدداً, وعدة , وذلكَ أمرٌ لا يخضعْ أبداً للأمزجةِ الشخصية, أو للأهواءِ النفسية, أو لتصرفاتٍ غير مسؤولة.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم, واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم..

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,

أمَّا بعدُ:

فيأيها المسلمون ,قد لُعنت الأمةُ الإسرائيليةُ في القرآن الكريم , على لسانِ نبيين كريمينِ يوم عُطِّل جانبُ الأمرِ بالمعروف , والنهيِ عن المنكر , فعمَّ مجتمعهم الآسن منكراتُ الأهواءِ, والأدواء (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) ) [المائدة:78] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت