كمال الدين رحموني
لقد خاطب الله ـ سبحانه ـ المؤمنين في كتابه العزيز آمراً إياهم بالاستجابة لنداء الجمعة، ناهياً إياهم عن البيع والتجارة، وعلق الخير كله على تحقيق هذه الاستجابة، فقال ـ سبحانه ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللََّّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 9 - 10] ، بعد ذلك عاتب المنشغلين بالدنيا بقوله ـ تعالى ـ: {وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11] .
إن الأمر بالسعي إلى الجمعة ـ وهي المقصودة بذكر الله على قول بعض المفسرين - والنهي عن البيع في الآية، فيه دليل صريح على أن القرآن الكريم يجزم أن هناك علاقة طبيعية بين البيع والتجارة وبين الجمعة، هذه العلاقة التي يُعتَبَر البيئة الاجتماعي المجال الخصب الذي تتجاذب فيه هذه العلاقة بين التجارة وذكر الله، أو بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة، ومن ثم يتبين أن المنهج القرآني يراعي المجال أو البيئة الذي يعتبر المسجد والخطيب ضمن مكوناته البارزة في المجتمع الإسلامي. ومما يزيد الأمر بياناً في الاحتفاء بالبيئة، تحذير القرآن الكريم من أن يغدو البيئة عاملاً سلبياً، فينقلب إلى أداة استهواء وركون في حياة الناس، يستبدلون بالأدنى الذي هو خير، فقال الله ـ عز وجل ـ: {وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} . وتحذير القرآن من الانشغال بالتجارة يوم الجمعة هو إقرار ضمني بتأثير البيئة؛ ذلك أن التجارة تمثل جانباً مهماً من جوانب هذا البيئة، ولذلك سعى القرآن إلى إحداث التوازن المطلوب بين مطالب الدنيا التي تتحقق في البيئة، وبين مطالب الآخرة فقال ـ تعالى ـ: {فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللََّّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، فالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله بعد انقضاء صلاة الجمعة يعزز الاقتناع بأهمية الأرض ـ البيئة ـ في حياة الناس في مستواها الإيجابي، كما أن الاستغراق في طلب الدنيا والافتتان بها يكرس سلبية هذا البيئة وآثارها الوخيمة على الناس.
وإذا كان القرآن يتنزل في كثير من الأحيان استجابة لعوارض تعرض، أو حوادث تحدث في واقع الناس ومحيطهم، فإن منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعوي يشهد على استحضار البيئة العام باعتباره عاملاً أساسياً في التبليغ والدعوة والتوجيه، ولذلك كانت الخطبة ـ إلى جانب القرآن الكريم ـ أداة متميزة في تحقيق التواصل مع شرائح المجتمع، وخير دليل على حضور البيئة الاجتماعي في منهجه -صلى الله عليه وسلم-، أن كثيراً من خطبه كانت استجابة لمعاناة أو انشغالات مصدرها البيئة العام؛ فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأتيه الناس يشكون القحط والجفاف، فيقوم فيهم خطيباً يستسقي ربه، ويُهرَع إليه آخرون يشكون الفاقة والمخمصة، فيقوم في الناس خطيباً حاثّاً إياهم على البذل والإنفاق والتصدُّق، ويأتيه أحدهم يزعم أن له حقاً في المال الذي كُلِّف بجبايته، فيقوم -صلى الله عليه وسلم- في الناس خطيباً مفنداً للزعم، دافعاً للوهم، إلى غيرها من المواقف النبوية الكريمة التي تؤكد هذا الارتباط الوثيق بين الخطبة والبيئة، انطلاقاً من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- القولية والفعلية. إذن نستطيع القول: إن الإسلام قد احتفى بالبيئة من خلال استهدافه الإنسان نفسه داخل هذا البيئة، وبذلك يتحقق المبدأ الأول في مقاربة موضوع البيئة.
أما ثاني المبادئ، فيتمثل في البيئة ذاته من حيث اتساعه، وحجم التعقيدات التي يفرزها العصر، ونوعية هذا البيئة، ومن ثم تتضاعف قيمة البيئة، وتزداد أهميته بالنسبة للرسالة التي يضطلع بها خطيب الجمعة؛ حيث إن الوعي بحقيقة تطور هذا البيئة يعد أولوية بالغة، وحاجة ماسة لإحداث التأثير المطلوب، وتربية مكونات هذا البيئة وفق الرؤية الإسلامية الشاملة التي تقيم فعل المجتمع انطلاقاً من ثابت الإسلام في إطار الواقع والعصر، وكل عمل إصلاحي يستهدف الإنسان والمجتمع لا يستحضر هذين البعدين أو يكتفي بأحدهما فإنه يبقى محدود الأثر، ضئيل النتائج أحياناً، أو مكرساً لمحيط مريض أحياناً أخرى.