فهرس الكتاب

الصفحة 5133 من 9994

#روابط الأمة في ظلال الهجرة

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

"روابط الأمة في ظلال الهجرة"أمر مهم أن نتأمله ، وموضوع جدير أن نستوعبه ؛ لأن القدوة العظمى في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كانت ومازالت وستظل النور الذي يضيء للأمة طريقها ، والبوصلة التي تحدد لها مسارها والمعالم التي تعلي لها منارها { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } [ الأحزاب:21 ] .

إن هذا الحدث الذي يمرّ علينا في كل عام ما تزال أنواره وأسراره تكشف لنا الكثير من الخلل والخطر الذي تعيشه أمتنا ، فهل من مدّكر ؟ وهل من معتبر ؟ وهل من متأمل ومتبصر؟ ليس على مستوى الفرد المسلم فحسب ، بل على مستوى الأمة كلها ، وليس على مستوى الأمة في حياة عامتها ، بل في توجهات قادتها .. إنه الحدث العظيم الذي غيّر وجه تاريخ البشرية كلها .. إنه الحدث العظيم الذي أعلن مبادئ الأمة وشيد معالم الدولة.

فلننظر إلى الروابط في حياة أمة الإسلام كيف ينبغي أن تكون ؟ وما الذي يقدّم ؟ وما الذي يؤخر ؟ وما الذي يكون ملء السمع والبصر وملء النفس والقلب ؟ وما الذي يكون لا حظ له من الاعتبار ، ولا نظر له في مقياس أهل الإيمان .. ننظر إلى ذلك في أحداث هذه الهجرة بجملتها فيما مرّ به أصحاب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وفيما سطّروه لنا من المعاني العظيمة ، والدروس الجليلة .. إنهم خريجو مدرسة النبوة ، إنهم الذي صنعوا على يد خير الخلق وسيد البشر صلى الله عليه وسلم ، إنهم الذين لامس الإيمان شغاف قلوبهم فخالطها وجرى مع دمائهم في عروقهم.

ومن هنا ؛ فإن كل ما نأمله من تغير الأحوال إنما يرتبط بهذا الاستيعاب لسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وحياة أمة الإسلام في ظلال قيادته الرشيدة ونبوته العظيمة عليه الصلاة والسلام.

الارتباط بالديار والأوطان .. مهوى الأفئدة ، ومسقط الرأس .. البلاد التي يعيش فيها المرء ويدرج في ثراها ، يتعلم في ظلالها ، وينشأ في مدارجها ، ويلعب في صباها .. هذه البلاد التي تنشد إليها القلوب ، تلك الأوطان التي ترتبط بها النفوس والأفئدة ما موقعها في مقياس الإسلام ؟ وهل هي المقدمة التي نسمع اليوم من يقول عن"حب الأوطان"، ومن يقول"جهاد في سبيل التراب"، ومن يقول في هذه المعاني حتى أصبحت كأنما هي آلهة تعبد ، وكأنما هي أوثان لها يسجد ، وكأنما هي في حياة المسلم أو الأمة كلها أعظم من كل عظيم ينبغي أن يعظم.

انتبه إلى السيرة النبوية في الهجرة في هذه الأحداث اليسيرة حدث لهذا الأمر كان ممن سبق إلى الهجرة وتقدم إليها عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد الضرير الشاعر الشهير ثلة من النفر الأوائل الذين خرجوا مهاجرين إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الأمر الذي أمر به الله وأمر به المصطفى عليه الصلاة والسلام خرجوا لا يلوون على شيء مازال حب أرضهم يتجذّر في قلوبهم ، ومازالت ديارهم حبيبة إلى نفوسهم مازالت ذكرياتهم حاضرة في أذهانهم ، لكن أمر الله - عز وجل - والارتباط به ، والاعتزاز به كان أعظم في نفوسهم من كل شيء .

ومن هنا ؛ فإن غلب على حب الأوطان ولم يلغه ، وإنه تقدّم على حب الديار ولم يمحه ، وهكذا كان أولئك النفر الأوائل يرسمون لنا ما رباهم عليه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم .. خرجوا وتركوا وراءهم ديارهم ، ليس فيها أحد مطلقاً . وجاء صاعدٌ من أعلى مكة عتبة بن ربيعة ، وأبو جهل ، والعباس بن عبد المطلب ، بعد أن تمت الهجرة لأولئك فمروا ووقفوا عند الديار ، وتأمل عتبة بن ربيعة - وهو على كفره وشركه - لكن المعاني الإنسانية تثور في النفوس ، تأمل الديار تخفق أبوابها يبابا ليس فيها ساكن فتمثل قائلا:

وكل دار وإن طالت سلامتها يوما ستدركها النكباء والحوب

فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من قُلّ بن قُلّ .

وأبلغ من ذلك ما قصه لنا أبو أحمد بن جحش رضي الله عنه - هذا الصحابي الضرير الشاعر - يصور لنا تلك المشاعر التي تجيش بها النفوس ، يوم خرجوا مهاجرين ، مخلفين الديار والأوطان ، ويذكر الحوار الذي تصوره وجرده بينه وبين زوجته أم أحمد ، وهي تخاطبه مصورا ذلك شعراً ويقول:

لما رأتني أم أحمد غاديا بذمة من أخشى بغيب وأرهب

تقول: فإما كنت لابد فاعلا فيمن بنا البلاد ولتنأ يثرب

"ماذا تريد بهذه البلدة ؟ ولم التوجه إليها؟"

فقلت لها: بل يثرب اليوم وجهنا وما يشأ الرحمن فالعبد يركب

"فأمره مقدم - جل وعلا - ودينه معظم على كل شيء"

إلى الله وجهي والرسول ومن يقم إلى الله يوما وجهه لا يخيُّب

فكم قد تركنا من حميم مناصح وناصحة تبكي بدمع وتندب

ترى أن وترا نأينا عن بلادنا ونحن نرى أن الرغائب نطلب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت