وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد، من ذا الذي يصلي عنك بعد الموت؟! من ذا الذي يصوم عنك بعد الموت؟! ثم يقول: أيها الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟! يا من الموت موعده، والقبر بيته، والثرى فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف يكون حاله؟!
وكثير من السلف الصالح مات وهو على طاعة داوم عليها فترة حياته:
فهذا أبو الحسن النساج لما حضره الموت غشي عليه عند صلاة المغرب، ثم أفاق ودعا بماء فتوضأ للصلاة ثم صلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد ومات.
وهذا ابن أبي مريم الغساني لم يفطر مع أنه كان في النزع الأخير، وظل صائمًا، فقال له من حوله: لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده: لا، فلما دخل المغرب قال: أذّن، قالوا: نعم، فقطروا في فمه قطرة ماء، ثم مات.
ولما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: أسفًا على الصلاة والصوم، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات.
وهذا أبو حكيم الخبري كان جالسًا ينسخ الكتب كعادته، فوقع القلم من يده وقال: إن كان هذا موتًا، فوالله إنه موت طيب، فمات.
وعن الفضل بن دكين قال: مات مجاهد بن جبر وهو ساجد.
أقول قولي هذا...
الخطبة الثانية
وبعد: فإن حسن الخاتمة هي أن يوفّق العبد قبل موته للتوبة عن الذنوب والمعاصي والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة.
ومما يدل على هذا ما روى أحمد في مسنده قال: (( إذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله ) )، قالوا: كيف يستعمله؟ قال: (( يوفقه لعمل صالح قبل موته ) ).
ومن العلامات التي يظهر بها للعبد حسن خاتمته ما يُبشّر به عند موته من رضا الله تعالى واستحقاقه كرامته تفضلاً منه تعالى، كما قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] . وهذه البشارة تكون للمؤمنين عند احتضارهم وفي قبورهم وعند بعثتهم يوم القيامة. وفي الصحيحين قال: (( المؤمن إذا بُشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه ) ).
ومن علامات حسن الخاتمة الموت على عمل صالح لما رواه أحمد في مسنده قال: (( من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ختم له بها دخل الجنة ) ).
ولكي يدرك العبد المؤمن حسن الخاتمة فينبغي له أن يلزم طاعة الله وتقواه والحذر من ارتكاب المحرمات فقد يموت عليها، والمبادرة إلى التوبة من الذنوب.
أما الخاتمة السيئة فهي أن تكون وفاة الإنسان وهو معرض عن ربه جل وعلا، مقيم على ما يسخطه سبحانه، مضيع لما أوجبه الله عليه، ولا ريب أن تلك نهاية بئيسة، طالما خافها المتقون، وتضرعوا إلى ربهم سبحانه أن يجنبهم إياها.
ومن أسباب سوء الخاتمة أن يصر العبد على المعاصي ويألفها، فإن الإنسان إذا ألف شيئًا مدة حياته وأحبه وتعلق به فالغالب أنه يموت عليه، قال ابن كثير رحمه الله:"إن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت"، ويقول ابن القيم رحمه الله:"وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، إنما تكون لمن له فساد في العقيدة أو إصرار على الكبيرة أو إقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل عليه الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطدم قبل الإنابة والعياذ بالله."
إخواني، فالواجب علينا إن مات أحد المسلمين ميتة سوء وهو على معصية من المعاصي أن نستعيذ بالله من ميتةٍ كميتته، وأن ندعو له، وأن لا نشهر به في المجالس، فقد أفضى إلى ما قدّم. ولكن مع ذلك يجب علينا أن لا نمجد ميتته هذه، وأن لا نتكلم في وسائل الإعلام بأنه مات في ساحة النضال وميدان البطولة والشرف، وأن ميتتة كانت من أجمل الميتات؛ لأن هذه الأمة لا تعرف إلا ساحة نضال واحدة وميدان بطولة واحد، وهو جهاد أعداء الله عز وجل، ولأن أجمل ميتة في التاريخ هي الموت على طاعة الله عز وجل.
ولكن وسائل الإعلام كعادتها درجت على خلخلة المفاهيم الصحيحة في عقول الناس، وجعلت المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وخاصة تلك الفضائيات التي أمسك بزمامها من لا خلاق لهم ولا أخلاق، وحملوا على عاتقهم إفساد هذه الأمة وتغيير ثوابها، فبئس ما يقولون وما يفعلون.
ألا وصلوا وسلموا على خير البرية...
علي بن عبد الرحمن الحذيفي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-غنى الله تعالى. 2- فضل الأعمال الصالحة. 3- ذم الأعمال السيئة. 4- الحرص على حسن الخاتمة. 5- عناية الصالحين بحسن الخاتمة. 6- أسباب التوفيق لحسن الخاتمة. 7- خوف السلف من سوء الخاتمة. 8- صور لسوء الخاتمة. 9- أسباب سوء الخاتمة.
الخطبة الأولى
أمّا بعدُ: فاتَّقوا اللهَ ـ عِبادَ الله ـ حقَّ تقوَاه، وسَارِعوا دائمًا إلى مَغفرتِه ورِضاه، فقَد فَاز وسَعدَ من أقبَلَ على مولاَه، وخَابَ وخسِر مَن اتَّبَعَ هَواه وأعرَض عَن أُخراه.
عبادَ الله، إنَّ ربَّكم غَنيٌّ عَنكم، لاَ تَضرُّه مَعصيةُ من عَصَاه، ولا تَنفعُه طاعةُ مَن أطاعَه، كما قال الله تعالى في الحديثِ القدسيّ: (( يا عِبادِي، إنّكُم لن تَبلغوا ضرِّي فتَضرُّوني، ولَن تبلغُوا نفعِي فتنفَعوني ) )رواه مسلم من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (1) [1] ، وكما قالَ تعالى: وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:176] .
فالأعمالُ الصَّالحاتُ سَبَبُ كلِّ خَيرٍ في الدّنيَا والآخِرة، وأَعظَمُ الأعمَالِ وأفضلُها أَعمالُ القلوبِ كَالإيمانِ والتوكُّل والخَوفِ والرَّجَاءِ والرَّغبةِ والرَّهبةِ وحُبِّ مَا يحبُّ الله وبُغضِ ما يُبغض الله وتَعلُّق القلبِ باللهِ وَحدَه في جَلبِ كُلِّ نَفع ودفعِ كلِّ ضُرٍّ كَمَا قَالَ تَعَالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:107] .
وَأَعمَالُ الجوارِحِ الصّالحةُ تابعةٌ لأَعمالِ القلوبِ، كما قال الرّسولُ: (( إنَّما الأعمَالُ بالنّياتِ، وإنما لِكُلِّ امرِئٍ ما نَوَى ) )رواه البخاريّ ومسلم من حديث عمرَ رضي الله عنه (2) [2] .
والأعمالُ السيِّئة الشِّرِّيرَة سَبَبٌ لكلِّ شرٍّ في الدّنيا والآخِرة، كما قَالَ تعالى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] ، وقَالَ تَعَالى: ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] .