فهرس الكتاب

الصفحة 8590 من 9994

وَالعَبدُ مَأمورٌ بالطّاعاتِ وَمَنهِيٌّ عن المحرَّماتِ في جميعِ الأوقات، ولكنَّه يتأكَّد الأَمرُ بالعمَلِ الصَّالح في آخِرِ العُمر وفي آخِرِ ساعةٍ من الأجَل، ويتأكَّد النَّهيُ عن الذّنوبِ في آخرِ العمرِ وفي آخر ساعةٍ من الأجَل؛ لقولِ النبيِّ: (( إنما الأعمالُ بالخَواتِيمِ ) )رواه البخَاريّ من حديث سهل بنِ سعدٍ رضي الله عنه (3) [3] .

فمَن وفَّقه الله للعمَلِ الصالحِ في آخر عمرِه وفي آخرِ ساعةٍ من الأجَل فقد كتَب الله له حُسنَ الخاتمة، ومن خذَله الله فَخَتَم ساعَةَ أجلِه بعَمَل شرٍّ وذنبٍ يغضِب الربَّ فقد خُتِمَ له بخاتمةِ سوءٍ والعياذ بالله.

وَقَد حثَّنا الله تعالى وأمَرنا بالحِرصِ على نيلِ الخاتمةِ الحسَنة، فقَالَ تَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

والسَّعيُ لحُسنِ الخاتمَةِ غَايَةُ الصّالحينَ وهِمّة العِبادِ المتَّقين ورَجاءُ الأبرارِ الخائفِين، قالَ تعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [البقرة:132] ، وَقَالَ تعالى في وَصفِ أُولي الأَلبَابِ: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193] ، وَقَالَ تعالى عن التائِبِينَ: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين [الأعراف:126] ، وعن عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله يَقولُ: (( إنّ قلوبَ بني آدَمَ كلَّها بين أصبعَين من أصابعِ الرحمنِ عز وجلّ كقَلبٍ واحد يصرِّفُه حيثُ يشاءُ ) )، ثم قال رسول الله: (( اللّهمّ مصرِّفَ القلوب، صرّف قلوبَنا على طاعتك ) )رواه مسلم (4) [4] .

فمن وفَّقه الله لحسنِ الخاتمةِ فقَد سعِد سعادةً لا يشقَى بعدها أبدًا، ولا كَربَ عليه بعد ذلكَ التّوفيقِ، ومن خُتِم له بسوءِ خاتمةٍ فقد خسِرَ في دنياه وأخراه.

والصّالحونَ تعظُم عنايَتُهم بالأعمالِ الصالحة السّوابِقِ للخاتمة، كما أنَّهم يجتهِدون في طلبِ التوفيقِ للخاتمةِ الحسنَةِ، فيحسِنون الأعمالَ، ويحسِنون الرجاءَ والظنَّ بالله تَعالى، ويُسيئون الظنَّ بأنفسهم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:218] .

وَمَن صَدَق اللهَ في نيّتِه وعمِل بسنّةِ رَسولِ الله واتَّبعَ هَديَ أصحابِه فقَد جَرَت سنّةُ الله تَعالى أن يختمَ له بخَيرٍ، وأَن يجعَلَ عواقبَ أموره إلى خيرٍ، قَالَ تَعَالى: إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30] ، وقال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا [طه:112] ، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] .

وَأَسبَابُ التوفِيقِ إلى حسنِ الخاتمةِ النِّيةُ الصالحةُ والإخلاصُ؛ لأنَّ النيةَ الصالحةَ والإخلاصَ شرطُ الأعمالِ المقبولةِ عند الله.

ومِن أَسبابِ الخَاتمةِ الحَسَنَةِ المحافَظَةُ على الصَّلواتِ جمَاعَةً مَعَ المسلِمِينَ، ففي الحدِيثِ: (( من صلّى البَردَين دَخَل الجنة ) )رواه البخاريّ ومسلم من حَديث أبي موسَى رضي الله عنه (5) [5] . والبردان الفجرُ والعصر، ومن صلاَّهما فقَد حافَظ على غَيرهما من بابِ أولى.

ومِن أَسبابِ التَّوفِيقِ لحُسنِ الخَاتمةِ الإيمانُ والإِصلاحُ في كلِّ شيءٍ، قال تَعَالى: فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون [الأنعام:48] .

وَمِن أسبابِ توفيق الله لحسنِ الخاتمة تقوَى الله في السّرِّ والعَلَن بامتثالِ أمرِه واجتِنابِ نهيِه والدَّوامِ على ذلك، قَالَ تَعَالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] .

ومِن أَسبَابِ التَّوفِيقِ لحُسنِ الخَاتمةِ اجتِنابُ الكبائِرِ وعَظائمِ الذّنوبِ، قال تَعَالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا [النساء:31] .

ومِن أَسبَابِ التّوفِيقِ لحسنِ الخاتمَة لزومُ هَديِ النَّبيِّ واتِّبَاعُ طَريقِ المهَاجِرِينَ والأنصارِ والتّابعينَ لهم بإحسانٍ رَضي الله عنهم، قال تَعَالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] ، وقالَ تَعَالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ [التوبة:100] .

ومِن أَسبَابِ التَّوفيقِ لحسنِ الخَاتمَة البُعدُ عن ظُلمِ الناسِ وعدَمُ البغيِ والعدوانِ عليهم في نفسٍ أو مالٍ أو عِرضٍ أو حُقوقٍ مَعنَوِيّة وأَدَبيّة أو مَادِّيّة، قال: (( المسلِمُ من سَلِم المسلمون من لسانِه ويَدِه، والمهاجِر من هجَر ما حرَّم الله ) ) (6) [6] ، وعن ابنِ عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رَسول الله: (( واتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنّه ليس بينها وبين الله حِجَابٌ ) )رواه البخاريّ (7) [7] ، وفي الحديثِ: (( مَا مِن ذَنبٍ أسرَع من أَن يُعَجِّل الله عقوبتَه من البَغي وقطيعةِ الرَّحم ) ) (8) [8] .

ومِن أسبَابِ التوفيقِ لحسنِ الخاتمةِ الإحسانُ إلى الخلقِ، قال الله تَعَالى: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:274] .

وصِفةُ السَّخاءِ وسماحةُ النَّفسِ مَعَ الإسلامِ سَببٌ للتَّوفيق لحسنِ الخاتمَةِ، قال: (( صَنَائِعُ المعروفِ تقِي مصارعَ السّوء ) ) (9) [9] .

ومِن أسبابِ حُسنِ الخاتمة العافيةُ مِنَ البِدَع، فإنَّ ضررَها كبِير وفسادَها خطير، والبِدعُ هي التي تفسِدُ القلوبَ وتهدِم الدّينَ وتنقُضُ الإسلامَ عُروةً عروةً، قال تَعَالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] ، وَهَؤلاءِ المنعَمُ عَلَيهم مُبرَّؤونَ مِنَ البدَع كلِّها.

ومِن أسبابِ حسنِ الخاتمة الدُّعاءُ بذلك للنَّفسِ، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] ، وفي الحَدِيثِ: (( لا يُنجِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ، والدّعاء ينفع ممّا نزَلَ ومما لم ينزِل ) ) (10) [10] . ودُعاء المسلِمِ لأخيه المسلِمِ بحسنِ الخاتمة مُستَجَابٌ، وفي الحديث: (( ما مِن مسلمٍ يدعو لأخيه بالغيبِ إلاَّ قال الملك: آمين، وَلَك بمثله ) ) (11) [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت