فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
#هل من عودة قبل الموت ... ... ...
سعد البريك ... ... ...
ملخص الخطبة ... ... ...
1-الموت غاية كل حي. 2- مشاهد من سوء الخاتمة. 3- مشاهد من الصدق وحسن الخاتمة. 4- دعوة للاستعداد للموت. 5- النعيم الحقيقي والشقاء الحقيقي إنما يكونان في الآخرة. ... ... ...
الخطبة الأولى ... ... ...
ثم أما بعد:
اتقوا الله حق التقوى:
ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .
معاشر المؤمنين، معاشر الأحبة:
هناك مدخلُ رئيس، وهناك حقيقةُ لا بد من طرحِها، وقضيةُ لابد من مواجهتِها. قضيةُ لابد أن نواجهها نحن. لا بد أن يواجهها كل واحدٍ في هذا المسجد. ولابد أن يواجهَها كلُ مسلمٍ وكافر. كلُ بعيدٍ وقريب.
كلُ ذليلٍ وحقير. كلُ عزيزٍ وأمير. كلُ صعلوكٍ ووزير.
هيَ حقيقةُ الموت، هي نهايةُ المطاف، هي خاتمةُ الدنيا.
كلُ البشرية تشهدُ وتعلم وتنطقُ أن نهايتَها هي الموت، وأن منتهى الطريقِ بالنسبة لها هو الانقطاعُ عن هذه الدنيا.
انقطاعُ النفسَ، وانقطاعِ الروحَ، وانقطاع الجوارح، فالعينُ لا تبصر، واليدُ لا تتحرك، والأذنُ لا تسمع، والنفَسُ لا يجري، والدماء لا تتحرك، والشرايينُ لا تنبض.
إنها النهايةُ الأخيرةُ التي يواجهها ويقفُ أمامَها كلُ صغيرٍ وكبير، كلُ بعيدٍ وقريب.
كثيراً ما سمعنا بشباب كانوا في غفلةٍ، كانوا في بعدٍ، كانوا في تسلطٍ، كانوا في قسوة، كانوا في جفاء، كانوا في غلظةٍ، كانوا في قطيعةٍ وعقوقٍ.
بعضُهم يشهدُ ويقرُ على نفسِه يقول:ُ ما ركعتها في المسجد مع الجماعة، وبعضُهم يقولُ ما جانبتُ كأسَ الخمرِ مرة، وبعضُهم يقول ما سافرت إلا واقعت الفاحشة، فإذ به في يوم من الأيامِ تجده باكياً، خاشعاً، ساجداً راكعاً.
سبحان مقلبَ القلوبِ والأبصار، ما الذي غير هذا ؟ ما الذي بدل أحوالَه ؟ ما الذي غيرَ أحوالَه ؟ إنه اللهُ جل وعلا.
ولكن كيف السبب؟ وما هو السبيل؟ وأي طريقة وصلت إلى قلبه؟
قدر اللهُ على الكثيرين منهم أن يقفوا مشهداً ماثلاً حقيقياً لا محيصَ ولا مناصَ عنه.
قدر اللهُ للكثيرين منهم أن يقفوا أمام حقيقةِ الموت وهم يشهدون بأمهات أعينهم، وأمهات أبصارِهم، يشهدون صديقاً، يشهدون حبيباً، يشهدون قريباً.
ولا ينفعُ طبيب ولا يجدي نحيبُ.
حدثني أحدهم قال: كنتُ مسافراً للدراسةِ إلى الولايات المتحدة الأمريكيةِ، وكان شأني شأنُ كثيرٍ من الشبابِ الذين يقضون الليل في الملهى، والمساء في المرقص والعبث الذي تعنيه كلمةُ العبثِ بأبعادِها ومعانيها.
وذات يوم وكنا آيبين، كنا راجعين من ملهانا وعبثنا وتقدم بعضنا إلى السكن، أما واحد منا فلقد استبطأناه وتأخرناه.
ثم قلنا لعله يأتي بعد سويعة أو بعد ساعة أو بعد هنيهة، ثم لم نزل ننتظر لكنه ما آتى، فنزلنا نبحث يميناً أو شمالاً، وخاتمة المطاف قلنا: لابد أن يكون في الكراج، أو في الموقف الذي يجعل للسيارة تحت البناء.
فلما دخلنا ذلك البناء، دخلنا موقف السيارة، ووجدنا السيارة لا زال محركها يدور وصاحبنا قد انخنعت رقبته على إطار السيارة، وهو في مكانه والموسيقى الهادئةُ لا زالت تسمعُ منذ آخرَ الليلِ، حتى اللحظة التي فتحنا فيها باب السيارة وهي تدندن وتطنطن.
فصحنا نادينا تكلمنا: يا أخانا يا صاحبَنا، فإذا به قد انقطعَ عن الدنيا منذُ اللحظةِ التي أوقفت سيارتَه في ذلك الكراج.
هذه نهايةُ أشعلت في قلوبِ الكثير من أولئك الشبابِ يقظةً وغيرَةً وعودة وإنابة وتوبةُ وخضوعاً إلى الله فعادوا إلى اللهِ تائبين ما شربوا بعدها، ولا فعلوا بعدها بل أنابوا واستكانوا لربهم.
أسأل اللهَ أن يثبتنا وإياهم، وأسأل الله أن يعامل صاحبهم بعفوه وأن يتجاوز عنا وعنه.
هذه واحدة، والأخرى ليس لها إلا أيام قليلة سمعتها من أحد إخواني في الله يقول: كنتُ كغيري من سائرِ الشباب، وفي ليلةٍ من الليالي التي كنتُ أسهرُ فيه مع أحبابي وأصدقائي، ومن بينهم واحد من الأحبة، ومن بينهم حبيب إلي، أعزُ صديقٍ إلى قلبي وأقربُ قريب إلى فؤادي.
بينما أنا وإياه إذ به فجأة يصرخ: فلان أدركني، فقلتُ ما الذي بك؟ قال إني أحسُ بشيءً في قلبي.
قال: فدنوتُ منهُ فإذا هو يتلبط ويقول:ُ أسرع لي بطبيب، فناديت واتصلت بمن يحضرُ لنا طبيباً. وكانتِ الفترةُ لا تتجاوز خمسة عشر دقيقة أو عشرين دقيقة ونحن ننتظر وصول الطبيب.
وفي تلك الدقائقِ وهو يقول إني أحس بالفراق. إنها النهاية. إنها الخاتمة. سأفارقُ الدنيا. سأتركُ طفلي. سأتركُ زوجتي. سأفارقُكم.ستضعوننَي في كذا. ستتركونَني وحدي.