فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأخذ يمرُ عليه سجلَ ذكرياتِه. وأخذتَ تتقلبُ أمامَه صحائفَ أفعاله. قال وأنا أنظرُ إليه وكلي وحشةُ ودهشة، وكلي عجبُ وغرابةُ، وأنا أنتفضُ ويحاسبُ نفسَه ويعاتِب روحَه.
وأنا والله أصبرهُ و أنا أشدُ ألماً منه، وأشد استعراضاً لما يكون في حياتي.
فأخذت أتقلب في ذلك الموقف. وما هي إلا ستة عشر دقيقة تزيد أو تنقص قليلاً حتى فاضت روحُه.
وذهبنا وأحبابنا وأقاربنا وأصحابنا نضعُ قريبَنا وصديقنا وأعز أحبابَنا وأجل أقاربنا، نضعُه في مثواه الأخير، ونواري عليه التراب.
أحبُ الأحبابِ هو الذي منا يتقنُ اللحد أن لا يتسربَ إليه ذرة هواءٍ أو إشعاعُ نورٍ، ثم ما برحنا أن نهيل عليه التراب، ثم ودعناه في مثواه الأخير، وانصرفنا.
شاب من مدة ليس بالقريبة حدثني عن أحد الشباب في ما تسمى ببانكوك قال:
لقد كان في ضلالة، وقد كان في بلاء، وقد كان في أمر لا يفيق من جرائه من المخدرات أو الشراب، وما صاحب ذلك من مصاحبة البغايا والفاجرات.
وفي لحظة من سكر وشوق إلى عهر تأخرت صديقته، تأخرت حبيبته عليه، فما هي إلا لحظات وقد كاد يجن من تأخرها. ما هي إلا لحظات حتى أقبلت عليه فلما رآها خر ساجداً لها.
وما الذي تنتظرونه! هي السجدة الأخيرة، هي النهاية. والله ما قام من سجدته، بل أقاموه في تابوته وأرسلوه بطائرته ودفنوه مع سائر الموتى.
أيها الأحبة: إن هذا الموتَ هو أخطرُ حقيقةٍ ، هو أعظم حقيقةٍ، هو أكبرُ حقيقةٍ يواجهها الشقيُ والسعيد، الغنيُ والفقير، العزيزُ والذليل، الذليلُ والحقير.
الموت هو أكبر حقيقة، ومن أجل هذا كان صلى الله عليه وسلم يقول: (( اكثروا من ذكر هادم اللذات، ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة ) ).
أيها الأحبة، أسوق هذه الأحداث متفرقة مختلفة، وكلها تختلف من حيث الخاتمة وتختلف من حيث النهاية، لكنها في مؤد واحد وهو الخاتمة.
أي خاتمةٍ نواجهُها وأي نهايةٍ نفضي إليها، وأي عمرٍ يمتدُ بنا وأي شبابٍ نتقلبُ فيه، حتى ننتقلُ منه إلى الشيخوخة ثم نتوب بعد ذلك.
هل ضِمنا هذه الحياةَ ؟ هل ضمِنا هذه الأعمارَ؟ بادروا بالتوبةِ بادروا بالإنابةِ قبل أن يخطِفَكم الموتُ ويخطِفَكم الأجلُ وتمضي الملائكةُ بوديعةِ اللهِ من أرضه إلى السماءِ، فتكونَ في أعلى عليينَ أو في أسفلَ سافلين.
إن حُسنَ الخاتمةِ وسوءَ الخاتمة لأمرُ خطير وعجيب وجليل جداً.
جاء صحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك قبل أن يسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجهز جيشاً من الجيوش لمعركة حاسمة مع الكفار.
فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ كافر فقال: يا محمد أرأيت إن اتبعتك فما الذي لي وما الذي علي؟
قال: (( إن شهدت أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله كان لك ما للمسلمين عامة، وعليك ما عليهم عامة، فإن غنموا غنمت معهم ) ).
قال: ما على هذا أتبعك، فشهد أن لا إله إلا الله وشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن غنموا فأنت معهم في الغنيمة، وإن مت فلك الجنة من الله جل وعلا ) ).
فقال ذلك الصحابي: والله ما على هذا اتبعتك. أي ما اتبعتك لأجل الغنيمة.
وإنما اتبعتك على أن أغزو معك فأرمى بسهم من هاهنا وأشار إلى نحره، ويخرج السهم من هاهنا وأشار إلى قفاه.
ثم دخل المعركة وقاتل وأبلى بلاء حسناً، فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمي في سهم دخل في نحره، وخرج من رقبته، وقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( صدق الله فصدقه، بخٍ بخ عمل قليلاً ونال كثيراً، دخل الجنة ما سجد لله سجدة ) ).
انظروا الخاتمة، انظروا النهاية وتأملوها واعتبروا بها.
أسال الله جل وعلا أن يحسن لي ولكم الخاتمة وأن يجعلنا وإياكم من السعداء، وأن يتوفانا على التوحيد شهداء.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم. ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله اتقوا الله حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
اعلموا أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.