فهرس الكتاب

الصفحة 7353 من 9994

جاء عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (( إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: برزقه وأجله وشقي أو سعيد، فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) ) [حديث صحيح] .

أيها الأحبة هذا الحديث عمدة في حسن الخاتمة وسوئها، فاسألوا الله تعالى أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، واسألوا الله جل وعلا الثباتِ على نعمة الدين.

فإن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو أفضلُ الأنبياء، وسيد المرسلين، وهو أولُ من ينشقُ عنه القبرَ، وأولُ من تُفتَحُ له أبوابَ الجنةِ، وأولُ من ينالُ أعلى منازلَها، وهو صاحبُ المقامِ المحمودِ وهو صاحبُ الوسيلةِ، والشفاعةِ العظمى، الذي غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يطيلُ قيامَه وصيامَه.

وكان يطيلُ سجوده وتهجدَه ويقولُ: (( يا مقلبَ القلوب، يا مقلب القلوب، يا مقلب القلوب ) ).

فيا عباد الله اسألوا الله بهذا الدعاء، اسألوا الَله الذي بيده النواصي، اسألوا الله الذي بيده القلوب- وهي بين أصبعين من أصابع الرحمن التي تليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه- اسألوا الله أن يثبتَ قلوبنا وقلوبكم على الإيمان.

وأن يعصمَكم من الزيغِ والضلالةِ، ومن الغوايةِ بعد الهداية، ومن الفسادِ بعد الصلاح.

وأنتم يا شباب المسلمين: إن الكثيرَ منا وإن الكثير من شبابنا يسوفون التوبةَ، ويؤجلون الإنابةَ، وينشغلون بالعبثِ، ويلهونَ في الباطلِ ظناً منهم بأن الحياةَ أمامَهم وهم في ريعانِ الشبابِ وفي ربيعَ العمرِ، وفي زهرةِ الدنيا، يظنون أن الاستقامة تعقيد، وأن الطاعة وسوسة، وأن الإخبات لله تضييق وتشديد.

لا والله يا عباد الله، إننا نفوتُ على أنفسِنا حظاً عظيماً من السعادةِ بقدرِ ما نفوتُه من الأعمالِ الصالحةِ.

واعلموا أن الموتَ ساعةً لا تتقدمُ، ولا تتأخر، فمن ذا الذي يضمنُ خروجَه من المصلى؟ ومن ذا الذي يضمنُ يقظتَه من فراشه؟ ومن ذا الذي يضمن عودتَه إلى بيته؟ ومن ذا الذي يضمنُ وصولَه إلى عمله؟

إذا كان هذا شأننا فيا عجباً لقسوةِ القلوب، لا تدري متى تُخطف وهي مع ذلك عابثةُ لاهيةٌ.

تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جنَ ليلُ هل تعيشَ إلى الفجرِ

فكم من صحيحٍ مات من غيرِ علةٍ وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهرِ

وكم من صغارٍ يرتجى طولَ عمرِهم وقد أُدخلت أجسادُهم ظُلمةَ القبرِ

وكم من عروسٍ زينوها لزوجِها وقد نُسجت أكفانُها وهي لا تدري

فيا عباد الله استعدوا للقاء الله وبادروا بالتوبةِ، وبادروا بالخضوعِ والإنابةِ.

إنما هذه الدنيا متاعُ قليل وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55] .

والله إن هذه الدنيا بما فيها من ملذاتٍ وشهواتٍ ومراكبَ وقصورٍ ودورٍ وضيعاتٍ وزوجاتٍ وجناتٍ، وأموالٍ وذرياتٍ لا تعدلُ غمسةً في نارِ جهنم.

وإن الشقاءَ في هذه الدنيا بما فيه من الفقرِ والمرضِ والسقم والذلةِ وضيق الحالِ لا يساوي غمسةً في نعيمِ الجنة.

يوم القيامةِ يؤتى بألذِ أهلِ الأرضِ حالاً و أيسرُهم عيشاً ثم يغمسُ غمسةً في وهي أقلُ من اللحظةِ أو أقل، جزء من أجزاء اللحظة، يغمس غمسة في النار فيقال: يا ابنَ أدمَ هل رأيتَ نعيماً قط؟ هل مر بك نعيمُ قط؟

فيقولُ: لا يا رب ما مر بي نعيمُ قط. ينسى نعيمَ الدنيا كلَه في غمسةٍ صغيرة دقيقة في النار.

ويؤتىَ بأشدِ أهلِ الدنيا بؤساً وفقراً ومرضاً فيغمسُ غمسةً واحدة في الجنة. ويقالُ: يا ابنَ آدمَ هل مر بك بؤسُ قط؟ هل مر بك شقاءُ قط؟

فيقولُ: يا رب ما مر بي شقاءُ، وما مر بي بؤسُ.

فلنعد لذلك اليوم، وهو يومُ لا بد أن نردَه على صراطٍ أدقَ من الشعرةِ و أحدَّ من السيفِ، والناسُ يمضون عليهِ على قدرِ أعمالِهم، وكلاليبُ جهنمَ عن يمينهِ وعن يسارهِ.

فمِن المؤمنين الذين يسعون ونورهم بين أيديهم مد أبصارهم من يمرون عليه كالبرقِ الخاطف، ومن المؤمنين من يمرونه كأجاويدِ الخيلِ، ومنهم من يمره كأسرعِ الناسِ عدواً، ومنهم من يحب على الصراط حبواً، ومنهم من يمضي عليه فتدركُه كلاليبُ جهنمَ.

أدركتُه أعمالُه السيئةِ، وتفريطُه في حقهِ وتضييعُه وتقصيرُه في جنبِ الِله وطاعة الله.

فلنعدَ لذلك اليوم، ولنعدِ لدار سوف نسكُنها وسوف نبقى فيها.

والله ما نفعَ أهلُ الأموالِ أموالهَم. أين الملوك، أين الوزراء، أين الأمراء، أين الرؤساء، أين الخلفاء؟ أين الذين ذهبوا، أين الذين ملكوا،أين الذين نالوا، أين الذين جمعوا ؟ أين الأثرياء؟ أين الكبراء؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت