فهرس الكتاب

الصفحة 8717 من 9994

يقولُ الذي يقيمُ على زنزانتهِ في السجن قبلَ أن يلفظَ الشيخُ أنفاسهُ ويُغادرُ الدنيا، في آخرِ لحظةٍ يَعيشُها من عمره قبلَ أن ينتقلَ من الحياةِ إلى الممات، قرأ قول الله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54، 55] ثم قضى ومات رحمه الله.

لماذا ـ أيّها الأحبة ـ نفتحُ صفحاتٍ من التاريخِ صفراء، ونرجعُ إلى الوراءِ كثيرًا، ونحسرُ أعيننا عن الواقعِ المُشرقِ الذي عطرهُ شُبانٌ أتقياء نبلاء، رجال أيُّ رجال، عطَّروا مسامعنا بنهايتهم التي تُجددُ الحياة في القلب، وتؤكدهُ بمغفرةِ اللهِ ورحمتهِ أكثر وأكثر؛ دعاة هداة نصبوا أيَّامهم أمام الآخرةِ، يشدُّون أمامَ جدارَ الليلِ أحلى أنواعَ العبادةِ لله وحدهُ لا شريك له.

كان هُناك شابٌ تعلق قلبهُ بالأذان، تتراقصُ الدمعاتُ من عينيهِ وهو يُنادي الناس: (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح) رافعًا بها صوتهُ، يمُدُّها ويُرسلُها حانيةً باردةً إلى آذانِ القاصي والداني، وبعد أيامٍ معدودة جاءَهُ الابتلاءُ من الرحيم الرحمن سبحانه وتعالى، فأصيبت مقلتاهُ وعيناهُ بالعمى، وصار يحتاجُ إلى رعاية وإلى أحدٍ يقومُ بشُؤونه ويكفلُ له متطلباته، فأمرهُ عمّهُ وصنو أبيه أن يسكنَ عندهم في بيته، فحصلَ ما لا يُريدُهُ الشاب؛ فسيصبحُ بعيدًا عن الأذان وبُيوت الرحمن، فرفضَ، وألحَّ عليه عمّهُ رأفةً عليه وشفقة به، فقبلَ بعد ذلكَ ولكن بشرطٍ واحد، قال عمَّهُ: وما ذاك؟ قال: تأتون بي قبلَ صلاة الفجر إلى مسجدي هذا، ثُمَّ بعد شروق الشمس تأخذوني، وتأتون بي قبلَ صلاة الظُهر، وتتركوني للأذان والإقامة والصلاة والدعاء بينهما، حتى صلاةَ العشاء أُؤدي السُنة بعدها، ثُمَّ أرجعُ إلى بيتكم، استحسنَ العمُّ الطلبَ على كُلفتهِ وصعوبته، وبعد زمنٍ ليس باليسير والشابُ يَدفنُ سبابتيهُ في أذنيه ويُنادي المسلمين للصلاة: (الله أكبر، أشهدُ أن لا إله إلا الله، حيَّ على الصلاة) ، فإذا بروحهِ تخرج ويموتُ ساعتها وهو يُؤذنُ. نسألُ الكريمَ من فضله.

وبعدُ: عباد الله، أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16] .

يا رب إن عظُمت ذنوبِي كثرةً…فلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظمُ

إن كان لا يرجُوكَ إلاَّ محسنٌ…فمن الذي يدعو إليه المجرم

أدعوك ربِّ كما أمرت تضرعًا…فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ

ما لِي إليكَ وسيلة إلاَّ الرجا…وجميلُ ظني ثُمَّ أني مسلمُ

عباد الله، إنِّي داعٍ فأمنوا، اللهمَّ يا من لا يَحِيفُك سائل، ولا ينقُصُك نائل، يا من خزائنهُ ملأى لا تغيضها النفقة، يا من وسعت رحمتهُ غضبه، يا من يُعطي الكثيرَ على القليل، ويغفرُ الذنبَ العظيم، ويقبلُ توبةَ العاصي، اللهمَّ اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إلهَ إلاَّ الله، اللهمَّ ارزقنا توبةً قبل الموت، وراحةً بعد الموت، ولذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريم.

إبراهيم الغامدي

غير محدد

غير محدد

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-خطورة ساعة الاحتضار. 2- صور لحسن الخاتمة. 3- أحاديث في حسن الخاتمة. 4- علامات حسن الخاتمة. 5- سوء الخاتمة وأسبابه. 6- النصيحة بعدم التشهير بمن توفي من المسلمين على خاتمة سوء. 7- بيان تغرير وسائل الإعلام.

الخطبة الأولى

وبعد: عباد الله، فإن آخر ساعة في حياة الإنسان هي الملخص لما كانت عليه حياته كلها، فمن كان مقيمًا على طاعة الله عز وجل بدا ذلك عليه في آخر حياته ذكرًا وتسبيحًا وتهليلاً وعبادة وشهادة، فهلموا ننظر كيف كانت ساعة الاحتضار على سلفنا الصالح الذين عاشوا على طاعة الله وماتوا على ذكر الله، يأملون في فضل الله ويرجون رحمة الله، مع ما كانوا عليه من الخير والصلاح.

لما رأت فاطمة رضي الله عنها ما برسول الله من الكرب الشديد الذي يتغشاه عند الموت قالت: واكرب أبتاه، فقال لها: (( ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم ) ).

وهذا عبد الله بن جحش عندما خرج لمعركة أحد دعا الله عز وجل قائلاً: (يا ربّ، إذا لقيت العدوّ فلقِّني رجلاً شديدًا بأسه، شديدًا حرده، فأقاتله فيك، ويقاتلني، ثم يأخذني ويجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت: يا عبد الله، من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت) ، وبعد المعركة رآه بعض الصحابة مجدوع الأنف والأذن كما دعا.

وطعن جبار بن سلمي الكلبي عامر بن فهيرة يوم بئر معونة، فنفذت الطعنة فيه، فصاح عامر قائلا: فزت ورب الكعبة.

وكان بلال بن رباح يردد حين حضرته الوفاة وشعر بسكرات الموت قائلا: غدًا نلقى الأحبة: محمدًا وصحبه، فتبكي امرأته قائلة: وابلالاه واحزناه، فيقول: وافرحاه.

وعندما خطب رسول الله في أصحابه حاثًا لهم على الاستشهاد في سبيل الله في معركة بدر قال: (( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) )، فسمع عمير بن الحُمام هذا الفضل العظيم وقال: والله يا رسول الله، إني أرجو أن أكون من أهلها، فقال: (( فإنك من أهلها ) )، فأخرج عمير تمرات من جعبته ليأكلها ويتقوى بها، فما كادت تصل إلى فمه حتى رماها وقال: إنها لحياة طويلة إن أنا حييت حتى آكل تمراتي، فقاتل المشركين حتى قتل.

وعندما حضرت الوفاة معاذ بن جبل قال: مرحبًا بالموت زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء عند حِلَق الذكر.

ولما احتضر عمر بن عبد العزيز قال لمن حوله: اخرجوا عني فلا يبق أحد، فخرجوا فقعدوا على الباب فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قال: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] ، ثم قُبض رحمه الله.

ولما حضرت آدم بن إياس الوفاة ختم ما تبقى عليه من سور القرآن وهو مسجّى، فلما انتهى قال: اللهم ارفق بي في هذا المصرع، اللهم كنت أؤملك لهذا اليوم وأرجوك. ثم قال: لا إله إلا الله، وقضى.

ولما حضرت الوفاة أبا الوفاء بن عقيل بكى أهله، فقال لهم: لي خمسون سنة أعبده، فدعوني أتهنّى لمقابلته.

قال أنس بن مالك: ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن؟ أول يوم يجيئك البشير من الله إما برضاه وإما بسخطه، واليوم الثاني يوم تعرض فيه على ربك أخذًا كتابك إما بيمينك وإما بشمالك، وأول ليلة ليلة تبيت فيها بالقبر، والليلة الثانية ليلةٌ صبيحتُها يوم القيامة.

وقال المزني دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله تعالى واردًا، فلا أدري: روحي تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى.

ولما احتضر عامر بن عبد الله بكى وقال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون.

وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد، من ذا الذي يصلي عنك بعد الموت؟! من ذا الذي يصوم عنك بعد الموت؟! ثم يقول: أيها الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟! يا من الموت موعده، والقبر بيته، والثرى فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف يكون حاله؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت