فهرس الكتاب

الصفحة 8716 من 9994

أمةَ الإسلام، اسمعوا الخبرَ اليقين والحديثَ الجلي الذي يُغني عن التنبيهات والمواعظِ المُبكيات، خبرًا صحيحًا عن النبي الكريم، عن محمدٍ أنَّهُ قال: (( فإنَّ العبدَ إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ على الآخرةِ نزل إليه ملائكةٌ من السماءِ بيضُ الوجوه، كأنَّ وجُوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفانِ الجنة، وحنوط من حنوطها، حتى يجلسوا منهُ مُدَّ البصر، ثم يجيء ملكُ الموتِ حتى يجلس عند رأسه؛ فيقولُ: أيَّتُها النفسُ المطمئنةِ، اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان، قال: فتخرج؛ فتسيلُ كما تسيلُ القطرة من في السقاء؛ فيأخذُها فإذا أخذها لم يَدعوها في يدهِ طرفةَ عين، حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفنِ وفي ذلك الحنوطِ، وتخرجُ منها كأطيبِ نفحةِ مسكٍ وُجدت على وجهِ الأرض؛ فيصعدون بها، فلا يمرُون بها على ملأٍ من الملائكة إلاَّ قالوا: ما هذه الريحُ الطيبة؟ فيقولون: فلانُ بن فلان بأحسنِ أسمائهِ التي كانوا يُسمُونَهُ بها في الدنيا، حتى السماء السابعة، فيقولُ الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوهُ إلى الأرض؛ فإنِّي منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أُخرى، فتُعادُ رُوحه.

وإنَّ العبدَ إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ إلى الآخرة نزلَ إليه من السماءِ ملائكةٌ سود الوجوهِ معهم المسوح، فيجلسون منهُ مدَّ البصر، ثُمَّ يجيء ملكُ الموت حتى يجلسَ عند رأسه، فيقولُ: أيَّتها النفسُ الخبيثة، اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب، قال: فتتفرقُ في جسده، فينتزعُها كما يُنتزعُ السفودُ من الصوفِ المبلول، فيأخذُها، فإذا أخذها لم يدعُوها في يدهِ طرفةَ عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرجُ منها كأنتنِ ريحِ جيفةٍ وُجدت على الأرض، فيصعدون فلا يمرون على ملإ من الملائكة إلاَّ قالوا: ما هذه الروحُ الخبيثة؟ فيقولون: فلانُ ابن فلان بأقبحِ أسمائهِ التي كان يُسمى بها في الدنيا ـ نسألُ الله العافيةَ من هذا ـ حتى ينتهي بها إلى السماءِ السابعة، فيستفتحُ فلا يُفتحُ له )) ، ثُمَّ قرأ رسول الله: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40] ، (( فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابهُ في سجِّين في الأرضِ السفلى، فتطرح روحهُ طرحًا ) )، ثُمَّ قرأ: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن البراء بن عازب وصححهُ الألباني على شرطِ الشيخين.

قال سلمان الفارسي: (أضحكني ثلاث: مؤملُ الدنيا والموتُ يطلبُه، وغافلٌ ليس بمغفولٍ عنه، وضاحك بملء فيهِ وهو لا يدري أرضيَ اللهُ عليه أم سخط. وأبكاني ثلاث: فراقُ الأحبةِ محمد وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله تعالى) .

تزود من الدنيا فانَّكَ لا تدري…إذا جنَ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجر

فكم من عروسٍ زينوها لزوجها…وقد أخذت أرواحهم ليلةََ القدرِ

وكم من صغارٍ يُرتجى طول عمرهم…وقد أُدخلت أرواحهم ظلمةَ القبرِ

وكم من سليمٍ مات من غيْرِ علةٍ…وكم من سقيمٍ عاشَ حينًا من الدهرِ

وكم من فتى يُمسي ويُصبحُ لاهيًا…وقد نُسجت أكفانهُ وهو لا يدري

وكم من ساكنٍ عند الصباحِ بقصرهِ…وعند المسا قد كان من ساكنِي القبرِ

فداوم على تقوى الإلهِ فإنَّها أمانٌ…من الأهوالِ في موقفِ الحشرِ

أُمةَ الإسلام، كيف يستمرئُ العُصاةُ لذاتهم المنقضية؟! تأتلفُ نفوسهم كلفًا بها، يبحرون في لُجةِ كلِّ معصية طلبًا للذةِ الساقطةِ والسعادةِ المزورة التي تبرقعت بالسراب، كيف يتكلفون المُحرمات ومِن خلفهم مقاريض الخاتمة وأوجاع نسجوها هُم بأيديهم وما قُدمت ليومِ رحيلهم؟! كيف يستمرئُ العُصاةُ ذلك وقد زلَّ عن منهجِ النجاةِ من رُئي عليهم بهاء الطاعة ونضارة القُربِ من الله سُبحانه وتعالى؟! فالحيُّ لا تَؤمن فتنتهُ.

كان محمدُ بن الحسن ممن اشتدَّ كلفهُ وعشقهُ لغلامٍ أمرد، ففارقهُ الصبرُ منذُ أن عشقهُ، وفشت أشعارهُ فيه، وجرت على الألسنةِ، وأنشدت في المحافل، وكان يتبعُ الأمردَ الذي عشقهُ عندما يجلسُ على عتبةِ بابه، فاعتزل الأمردُ مجلسه ذلك، ففقدَهُ ابن الحسن فأنهكهُ المرض، وأضجعهُ الهم، فنصحهُ المُقربون عندهُ بمعاودةِ الأطباء فرفضَ، وقال: الدواءُ والعلاج نظرةٌ من أسلم ـ وأسلم هو ذلك الغلامُ الأمرد ـ، فذهبَ أحدُ أصدقاءِ محمد بن الحسن إلى الأمرد يراوِدهُ بمعاودته، وأن يتصدقَ عليه بنظرةٍ تُذهبُ بما فيه، وهيهات هيهات؛ فمن أسرفَ في محبةِ زينةٍ من الدنيا عذبهُ اللهُ بحبهِ ذاك، فرضيَ أسلم ذلك الأمرد بالذهابِ إلى ابن الحسن وهو على فراشه لكي ينظرَ إليه ويريحَ قلبهُ من فقدهِ فسارا جميعًا، ثُمَّ في وسط الطريقِ تردد أسلم، ورفضَ إكمال المسيرِ إلى ابن الحسن، قال له الرجل: لا بُدَّ أن تفي بوعدك وتُكمل سيرك، ولكنهُ رفض ورجع يوم أن رجع إليه عقله، فلحقهُ الرجل، وتعلق بردائه حتى تمزق، ولكنهُ رفض، فرجعَ الرجلُ لابن الحسن؛ فسألهُ عن الغلام؛ فقصَّ عليه ما حصل وأنَّهُ رفضَ المجيء إليك لتراه، فقال ابن الحسن ـ وليتهُ ما قال ليتهُ ما قال، ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً ـ، قال لصاحبهِ احفظ عني هذه الأبيات:

أسلم يا راحة العليل…رفقًا على الهائمِ النحيل

ووصلك أشهى إلى فؤادي…من رحمةِ الْخالقِ الْجليل

قال له صاحبه: اتق الله، ما هذه العظيمة؟! فقال: قد كان، قد كان. يقولُ صاحب ابن الحسن: واللهِ، ما توسطتُ الطريقَ حتى سمعتُ الصراخَ عليه، وقد فارقَ الدنيا. نعوذُ باللهِ من سُوءِ الخاتمة.

اللهمَّ ارزقنا حُبك، وحبّ من يحبك، وحبّ كلّ عملٍ يُقربنا منك.

تلك هي النهاياتُ التي تنشقُ عن المتأملِ فيها حقارةُ الحياةِ الفانية، وأنَّ الحياةَ الحقة لذلك القلب الذي يملكُ وثبةً واصلةً في أعمالِ الخير، وذلاً يُحصِّنهُ من النهاياتِ المُرة، ألا إنَّها دعوةٌ للعودةِ الصادقةِ للهِ الواحد القهار، لمحةٍ بارقةٍ تسترشدُ ـ أخي الكريم ـ بنورها طريق النجاة.

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93] .

الخطبة الثانية

أمَّا بعد: فهنيئًا لأهلِ الطاعةِ والعرفان، الذين طوَّعُوا أنفسهم لأوامرِ الله تعالى ونواهيه، معترفينَ بحقِّ العُبوديةِ والأُلوهيةِ لله سبحانه وتعالى، الذين انتزعوا كلَّ حائلٍ بينهم وبين رضا اللهِ جل وعلا، وامتلكوا كلَّ عنوان تضحيةٍ، يثبون به إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض، وكانوا ألويةً رفيعةً لجحافل المتقين العاملين.

فأبشر يا باغي الهدى، يا من تغشيتَ حلقَ العلمِ يومَ أن زهدَ فيها كثيرٌ من شبابِ الإسلامِ في هذا الزمن، وعكفت الركب عند العلماء، فانظر إلى نجم واحد من تلك النجومِ الكثيرةِ السيارة على مرِّ العصور وطويل الأزمان، العالمُ الهُمام علامةُ الزمان شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، المجاهدُ المُناضلُ بما أملاهُ اللهُ عليه من فضلهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت