فهرس الكتاب

الصفحة 8715 من 9994

لحسن الخاتمة علامات، كل واحدة منها كافية بإذن الله في الاستبشار بحسن الخاتمة من غير جزم بذلك:

1-النطق بالشهادة عند الموت لقوله: (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) )رواه الحاكم.

2-أن يرشح جبينه بالعرق لقوله: (( موت المؤمن بعرق الجبين ) )رواه أحمد والترمذي عن بريدة رضي الله عنه.

3-أن يموت يوم الجمعة أو ليلتها وهو مسلم لقوله: (( ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر ) ).

4-أن يموت شهيدًا في سبيل الله أو وهو مرابط في سبيل الله أو يموت بإحدى الميتات التي صاحبها في درجة الشهيد، وهي المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والحريق والموت بذات الجنب والمرأة يقتلها ولدها أي: تموت وهي حامل أو بسبب الوضع.

5-أن يختم له بعمل صالح كصيام يوم أو صدقة أو ذكر، عن جابر رضي الله عنه قال: (( من مات على شيء بعثه الله عليه ) )رواه أحمد والحاكم وهو في صحيح الجامع (6419) . وقد أخبر النبي أن المحرم الذي مات على إحرامه يبعث يوم القيامة ملبيًا، وأن الشهيد يبعث يوم القيامة ولون جرحه لون الدم وريحه ريح المسك، وأن آكل الربا يقوم كالمصروع، والمتكبر يحشر في صورة الذر يطؤه الناس بأقدامهم.

وقد حكى الإمام ابن القيم والحافظ الذهبي رحمهما الله حكايات كثيرة عن أقوام عجزوا عن قول:"لا إله إلا الله"عند موتهم، واستبدلوها بما كانوا متعلقين به في الدنيا من حرام أو مباح.

فرجل كان يلعب الشطرنج قيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال: شاه رخ، ومات. ورجل كان يشرب الخمر، قال: اشرب واسقني، ثم مات. ورجل كان منهمكًا في التجارة جعل يقول: هذه رخيصة وهذا مشتري جيد، ثم مات. ومن الصالحين من مات وهو ساجد أو وهو يتلو القرآن أو يذكر الله تعالى.

وذلك لأن الشيطان يحشد للإنسان كل همته وقوته لإضلاله في هذه اللحظة، والإنسان يكون في أضعف أحواله، قال تعالى: يُثَبّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء [إبراهيم:27] .

وأما العلامة التي يعلم بها الميت نفسُه حسن خاتمته فهي أن تبشره ملائكة الرحمة برضوان الله تعالى، فيفرح ويستبشر، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصل:30] .

وهذه العلامة هي التي في صحيح مسلم عن شريح بن هانئ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) )، قال شريح: فأتيت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أم المؤمنين، سمعت أبا هريرة يذكر عن سول الله حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا، فقالت رضي الله عنها: ليس منا أحد إلا وهو يكره الموت، قد قاله رسول الله ، وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر وحشرج الصدر واقشعرّ الجلد وتشنّجت الأصابع فعند ذلك من أحبّ لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. رواه مسلم (2685) . قال النووي رحمه الله:"وهي الحال التي لا تقبل فيها التوبة".

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك يا كريم.

رياض بن سليمان السلطان

غير محدد

غير محدد

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-حقيقة الموت. 2- حال العبد المؤمن والكافر عند الاحتضار. 3- صور للخاتمة السيئة. 4- نماذج من الخاتمة الحسنة.

الخطبة الأولى

أمَّا بعد: فسُبحان من تفردَ بالبقاءِ، حيٌّ لا يموت سُبحانهُ وتعالى، تفنى الخلائقُ جمعاء بعد أن تستنفدَ ما كتب اللهُ لها، وتتلقى الأقدارُ التي كتبها الديانُ برحمتهِ وحكمته، ثُمَّ تنتقلُ إلى حيثُ الحياة المكتوبة والمصير المضروب، الكلُّ ماضٍ إلى ما قُدر له، إمَّا إلى جنةٍ أو نار، الملكُ والمملوك، الرئيسُ والمرؤوس، من كان معروفًا بفقرهِ إلى عفو الله، ومن كان فقيرًا يومَ أن استغنى عن رحمةِ الله، الكلُّ راحلٌ مُغادر، والله سُبحانه وتعالى معروفٌ موصوفٌ بما قال عن نفسهِ قرآنًا أملاهُ الوحي على محمدٍ: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ [الرحمن:26، 27] .

ولكن قبلَ أن تبردَ الأعضاء وينتقلُ الجسمُ من الحركةِ إلى السكون وحملهِ من شاهقِ القصورِ إلى ظُلمات القبور، وقبل أن يغمضَ العبدُ عينيه على آخر نظرةٍ له إلى هذه الحياة، قبل أن يُشارَ إلى الابنِ أنَّهُ يتيم فقد أباه، وإلى الزوجةِ أنها ثكلى قد رحلَ عنها زوجُها وانقضت روحهُ إلى الله، وقبل أن يُعانق الأب وتضم الأم ويُقال: أحسن اللهُ العزاءَ وجبرَ اللهُ المُصاب، قبلَ أن تُزايلَ الحياةُ الأجساد ـ إي وربي عباد الله ـ قبل أن يظفرَ هادمُ اللذاتِ بالروح منك، يوم لا يقرعُ بابًا، ولا يهابُ حجابًا، ولا يقبلُ بديلاً، ولا يأخذُ كفيلاً، ولا يرحمُ صغيرًا، ولا يُوقرُ كبيرًا، يظفرُ بالروحِ منك أنت أيّها الإنسان، إنَّها خاتمةُ المطاف وملخّصُ الحياةِ السالفة، النهايةُ المُنتظرةِ، كربٌ بيدِ سواك لا تدري متى يَغشاك.

إنَّها الخاتمةُ يا أُمة الإسلام، التي طالما تسابقت دموعُ العارفين خوفًا منها، وضُمت الركبُ في المحاريب بين يدي الله تحسبًا لها، الخاتمةُ كربٌ أشدُّ من ضربِ السيوف ونشرٍ بالمناشير؛ فالروحُ تنجذبُ، لكلِّ عضوٍ سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، فتنقطعُ الأنظارُ عن الدنيا، ويُغلقُ دونَ العبدِ باب الإجابةِ، وتحيطُ به الحسرةُ والندامة. فما أهول تلك اللحظات، فما أهولَ تلك اللحظات.

أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله كان بينَ يديهِ ركوةٌ فيها ماء، فجعل يُدخلُ يدهُ المباركة فيها، ويمسحُ بها وجههُ ويقول: (( لا إله إلا الله، إنَّ للموتِ لسكرات ) )، ثُمَّ نصب يدهُ وجعلَ يقولُ: (( في الرفيقِِ الأعلى ) )، حتى قُبض ومالت يده .

فاعتبر ـ أخا الإيمان ـ بحقائق أدلى الناطقون بها في ذلك المقام، ومُشاهدات وصفها المتألمونَ المتوجعونَ من سكرات الموت، وتشخيصًا يكسرُ القلوبُ طلبا لرحمةِ الله، طلبًا لمغفرة الله.

رُوي عن عمرو بن العاص لما حضرتهُ الوفاة قال لهُ ابنهُ عبد الله: يا أبتاه، إنَّك لتقول: ليتني ألقى رجلاً عاقلاً لبيبًا عند نزولِ الموت حتى يصف لي ما يجدُ، وأنت ذلك الرجل؛ فصف لي الموت؟ فقال: يا بني، والله كأنَّ جبيني في تخت، وكأني أتنفسُ من ثُقبِ إبرة، وكأنَّ غُصنَ شوكٍ يُجذبُ من قدمي إلى هامةِ رأسي.

فكيفَ بك ـ يا مغرور ـ وقد حلَّت بك السكرات ونزل بك الأنين والروحُ كالشوكةِ تُسحبُ من أسفلِ قدمكَ إلى مفرقِ رأسك؟! تسمعُ عويلَ الحاضرين وتلقينَ الناصحين الشهادة لك، ثقل اللسان، وبارت القوى، وارتخت اليدان، وغارت العينان، تسمعُ نداءَ بنتكَ الصغيرةِ تبكي كالأسيرة؛ تقول: أبي لا تفارقني، وأنت تسمعُ الكلام، ولا تَقدر على الجواب، ما أضعفك وأهونك في تلك اللحظات إن تخلى اللهُ عنك وعبثَ بك الشيطان، لن تستطيعَ الجواب؛ فعزرائيل عليه السلام يُنادي الروحَ أن تخرج؛ فمثِّل نفسك أيّها الناسي، وتذكر أيُّها السادرُ المغرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت