فهرس الكتاب

الصفحة 8573 من 9994

هذا وإنَّ مما ينبغي تحذيرُ المسلمينَ منهُ ما أُعلنَ في الصُحفِ عن وجُودِهِ في بعضِ مصايفنا من مهرجاناتٍ غنائيةٍ يَفِدُ إليها مغنينَ ومغنيات, فهذهِ لا يجوزُ دُخُولَها، ولا بذلَ الأموالِ فيها , ومع شديدِ الأسفِ أن تُسمَّى سياحة, هذا اللفظُ الذي جاءَ في القرآنِ والسنةِ يدلُّ على معانٍ عظيمةٍ أثنى اللهُ على أهلهِ فقال: (( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (سورة التوبة:112) .

وفي سننِ أبي داوود بسندٍ صحيحٍ عنه r قال: (( إنَّ سياحةَ أمَّتي الجهادُ ) )، فلفظُ السياحةِ في القرآنِ إمَّا أن يرادَ به الصِّيام: فالسائحونَ هُم الصائمون, أو الجهادُ في سبيلِ الله, أو طلبُ العلمِ والحديثِ, أو التفكرِ في ملكوتِ السمواتِ والأرض, ولكنَّهُ غُيِّرَ في هذا العصرِ ليكونَ مصطلحاً للغناءِ والاختلاطِ وفعلُ المحرمات.

الغناءُ الذي ينبتُ النفاقَ في القلبِ, ويستوجبُ غضبُ الربِّ, ويصدُّ عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاة, فهُو قرآنُ الشيطانِ والوسيلةِ إلى الفواحشِ والآثام, نعوذُ باللهِ من غضبهِ وأليمِ عقابه .

ونسألُ اللهَ أن يهدي ضالَّ المسلمين، وأن يرُدَّهُم إلى الحق والهُدى.

إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ, ونستعينهُ, ونستغفرهُ ونتوبُ إليه, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيئاتِ أعمالنا. من يهدهِ الله فهو المهتدي, ومن يُظلل فلن تجدَ لهُ ولياً مرشدا. وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبه, الذين هُم بهديهِ مُستمسكون وسلم- تسليماً كثيراً.

أمَّا بعدُ أيُّها الناس:

فهُناكَ عقباتٌ كثيرةٌ تحولُ دُونَ الزواج، وتُساعِدُ في النفورِ منه، ومنها غلاءُ المُهورِ، وسبقَ الكلامُ عنهُ. ويلحقُ بهِ الإسرافُ والمبالغةُ في تكاليفِ الزواج، بحيث يُعتبرُ مهراً آخر أو أكثر.

فالزواجُ مناسبةً كريمةً لتدعيمِ الصلات، وتقويةِ الروابطِ، وتدعيمِ المحبة، ولهذا تُسنُ الوليمةُ فيه بما تيسرَ من الطعام.

غير أنَّ المُلاحظَ الآن أنَّ أهلَ الزوجِ والزوجةِ يدعُو كلَّ منهم جمعاً كبيراً، يحضرُ منهم من حضر، ويتخلفُ من تخلف، وأكثرُ من يحضرُ لا يحضرُ إلاَّ مجاملة، أو قياماً بالواجبِ الذي أوجبَ اللهُ عليهِ من الحضورِ إذا دُعي، لِما روى مسلمٌ في صحيحهِ أنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- قال: (( إذا دعي أحدكم فليجب، وإن كان صائماً فليدع، وإن كان مفطراً فليطعم ) ).

وفي الصحيحين عنهُ- صلى الله عليه وسلم- قال: (( ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله ) ).

والدعوةُ لهذا العددِ الكثيرِ تَفرضُ على القائمِ على الوليمةِ صُنعَ طعامٍ يكفِيهم وزيادة. فإذا ما انفضَّ الجمعُ تراكمَ من نعمِ اللهِ شيءٌ كثير، مصيرُهُ الرمي في البراري، أو في أماكنِ جَمعِ الفضلات، وهذا جميعُهُ من الإسرافِ الذي نهى عنهُ اللهُ ورسولهُ، وفاعلِهُ مُعرضٌ نفسهُ لعدمِ محبةِ اللهِ لهُ كما قال تعالى: (( وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) ) (سورة الأنعام:141) .

فهل ترضى يا عبدَ اللهِ إلى أن تفعلَ شيئاً لا يُحبُكَ اللهُ من أجله؟ هل ترضى أن تخرجَ بعملكَ هذا عن طريقِ عِبادَ الرحمنِ الذين إذا أنفقُوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما.

إنَّ هذا الإسرافُ خروجٌ عن آدابِ القرآنِ حيثُ يقولُ اللهُ تعالى: (( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ) ) (سورة الإسراء 29) .

وكما أنَّ هذا الإسرافُ محظورٌ شرعاً، فهو ممقوتٌ بها عادة، فإنَّ الناسَ يَلُومُونَ من يسرفُ هذا الإسراف، ويُنظُرُون إليه نظرةَ ازدراء، لأنَّ هذا لا يفعلَهُ إلاَّ ناقصٌ، يُحَاوِلُ تكملةَ نقصهِ بمثلِ هذه الأعمال، وكما أنَّ هذا الإسرافُ محظوراً شرعاً، وممقوتٌ عادةً، فهو سفهٌ عقلاً، لما فيهِ من إتلافِ المالِ، وإضاعةِ الوقتِ، وشُغلِ البالِ وإتعابِ الأبدان، وفوقَ هذا كُلَّهُ فهو كفرٌ لنعمةِ الله، وخروجٌ عن سنةِ رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- فإنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- سَنَّ الوليمةَ في الزواجِ، ففي الصحيحينِ حينما رأى على عبد الرحمن بن عوفٍ أثرَ صُفرة، فقال: ما هذا؟ فقال تزوجتُ امرأةً على وزنِ نواةٍ من ذهب، فقال: باركَ اللهُ لكَ، أولِم ولو بشاة.

وفي الحديثِ الذي أخرجهُ الإمامُ أحمد وغيره، عن بريدة بن الحصين، قال لمَّا خطبَ عليٌّ فاطمةَ- رضي الله عنهما- قال رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-: (( إنَّهُ لا بدَّ للعرسِ من وليمة، فقالَ سعد: علي كبشٌ وقال فلان: علي كذا وكذا من الذرة ) ).

وفي رواية: جمعَ لهُ رهطٌ من الأنصارِ أصواعاً من ذرة، والوليمةُ تكونُ بالقدرِ المُستطاع، ويسنُ إعانةَ المتزوجِ عليها، كما فعلَ الصحابةُ مع عليٍّ ابن أبي طالب، وفي الصحيحينِ في قصةِ زواجِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- بصفيَّة، يقولُ أنسُ بن مالكٍ- رضي الله عنهُ-: حتى إذا كانَ بالطريقِ جَهزتها لهُ أم سليم، فأهدَتها لهُ من الليلِ، فأصبحَ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- عروساً، فقال: من كانَ عندهُ فضلُ زادٍ فليأتِنا به، فجعلَ الرجلُ يجيءُ بفضلِ التمرِ وفضلِ السويق، حتى جعلوا من ذلكَ سَواداً حيسَا (والحيس هو الطعامُ المُتخذُ من التمرِ والأقط والسمن) ، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيسِ ويشربُونَ من حياضٍ إلى جنبهم من ماءِ السماء.

قال أنس: فكانت تلكَ وليمةُ رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم.

وإذا دُعي أحدٌ إلى وليمةٍ فإنَّ عليهِ إجابةُ الدعوةِ، إلاَّ أن يكونَ معذُوراً، أو يكونَ في الوليمةِ معصيةٌ لا يستطيعُ تغييرِها.

فقد أخرجَ البيهقي عن ابن مسعودٍ أنَّ رجلاً صُنعَ لهُ طعاماً، فدعاهُ، فقال: أفي البيتِ صورة ؟ قال: نعم ، فأبى أن يدخلَ حتى كَسرَ الصورة، ثُمَّ دخلَ.

وأخرجَ الطبراني وغيره، عن سالمِ بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: أعرستُ في عهدِ أبي، فآذنَ أبي الناس، وكانَ أبو أيوب فيمن آذنَّاه، وقد ستَّروا بيتي بنجادٍ أخضر، فأقبلَ أبو أيوبٍ فدخل، فرآني قائماً، واطَّلع فرأى البيتَ مستتراً بنجادٍ أخضر، فقالَ يا عُبيدَ الله، أتستُرون الجدر؟! فقالَ: من كُنت أخشى عليه أن تغلبهُ النساء، فلمَ أن أخشى عليكَ أن تغلبك. ثُمَّ قال: لا أطعمُ لكم طعاماً، ولا أدخلُ لكم بيتاً، ثم خرج.

ويسنُ في الوليمةِ أن يُدعى إليها الفقراءُ ليطعموا منها، ففي الصحيحين عنهُ- صلى الله عليه وسلم- قال: (( شرُّ الطعامِ طعامُ الوليمةِ، يُدعى إليها الأغنياءُ، ويمنعها الفقراء ) ).

وعلى الداعي أن يحرصَ على دعوةِ الصالحينَ من الناسِ دُون سِواهم، لقولهِ- صلى الله عليه وسلم- في الحديثِ الحسنِ الذي رواهُ الإمامُ أحمد وغيره: (( لا تُصاحب إلاَّ مؤمناً، ولا يأكلُ طعامكَ إلاَّ تقي ) ).

ويسنُّ الدعاءَ للزوجِ بقوله: باركَ اللهُ لكَ وباركَ عليكَ وجمعَ بينكما في خير، وأن يدعي لصاحبِ الوليمةِ بقولهِ: اللهمَّ بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم. أو: اللهمَّ أطعم من أطعمني، واسق من سقاني، أو أكلَ طعامُكُم الأبرارَ، وصلت عليكمُ الملائكة، وأفطرَ عندَكُم الصائمون. فجميعُ هذه أدعيةً صحيحةً وردت عنهُ- صلى الله عليه وسلم.

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت