فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
على أبواب الصيف يتجدد الحديث عن مجتمعاتنا والصيف .. ذلك أن أموراً وأحوالاً وأوضاعاً كثيرة ربما يقع فيها كثيرون وهي مما ينبغي أن ينتبه له المسلم وأن يحذر منه المؤمن ذلك أنه لا يليق به ولا تناسب مع غاياته وأهدافه ومع سماته وصفاته .
وكثيرٌ من الأخوة قد أشار إلى التنبيه إلى بعض هذه الأمور لأهميتها ، وحرصاً على أن نكون بإذن الله - عز وجل - في موضع طاعته سبحانه وتعالى ، وفي أسباب طلب العز والنصر والقوة لهذه الأمة التي لحق بها كثيرٌ من الضعف ، وتمزّقت أوصالها ، واختلفت آرائها ، وحل بها كثيرٌ من غضب الله - سبحانه وتعالى - بسبب تفريطها في طاعته وتقصيرها في التزام منهجه .
إن هناك ظواهر كثيرة أحب أن أقف على بعضِ منها بشيءِ من الوضوح والصراحة وبتسليط الضوء على الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظواهر ومن خلال رؤيةِ إلى بعض صور العلاج لها .
أولاً: تعطل العلم والعمل
وكثيراً ما يرتبط بالأذهان أن إجازة الصيف هي خلو عن أي عمل وتركن لأي طلب أو أخذ أو زيادة في العلم ، وهذا يظهر أكثر في صفوف طلاب وطلبة المدارس و الجامعات الذين تتوقف دراستهم ، فيرى أحدهم أن نظره في كتاب أو أن مطالعته في مسألة أو أن مراجعته لمنهج من المناهج كبيرةٌ من الكبائر ، وعظيمةٌ من العظائم ، وتسلّق في أذهان كثيرٍ من أبنائنا وشبابنا أن هذه الفترة رغم امتدادها وطولها ، ورغم وجود الفراغ فيها ورغم تهيأ كثيرِ من الأسباب النافعة خلالها .
أنه ينبغي لهم أن يكونوا عطلاً من كل علمٍ وعمل ، ونجد ذلك يتمثل في صورٍ عملية وظواهر اجتماعية كثيرة منها:
أ - السهر والعبث
فنحن نرى كثيرون في هذه الأوقات لا ينامون إلا بعد الفجر ، أو ربما بعد انبثاق النور وبداية النهار وذلك ليناموا بعد ذلك سحابة يومهم لأنه ليس ورائهم عمل .
ونجد هذا السهر عابثاً ليس فيه شيء ينفع ويفيد في غالب الأحوال ، بل فيه لغوٌ باطل ، وكلام لا نفع فيه ، ربما فيه اجتماعٌ على بعض صور وأعمال من معاصي الله - عز وجل - ربما يكون فيه كثيرٌ من أسباب الأذى .
ولذلك نجد هذه الصورة تبرز لنا لتدل لنا على هذا التعطل والبطالة .
وصورةَ أخرى نراها أيضاً تابعةَ لها وهي
ب- النوم والكسل
ولا انشغال بعمل ، ولا ارتباط بهدف ، ولا سعي لإنجاز مهمة ، بل لو كان هناك وقتٌ غير النوم ؛ فإنه يقضى في الفراغ الذي لا جدوى فيه ولا نفع فيه .
ونجد أيضاً صورةً ثالثة وهي:
ج - صورة التفاهة والأذى
التي نجد فيها كثيراً من الشباب والشابات رغم سهرهم وعبثهم ورغم نومهم وكسلهم يفيض الوقت لكثرته فلا يقضونه إلا في أمورِ تافهة يفكر أحدهم في ملا بسه أو في سيارته وتفكر الأخرى في زينتها أو في أسواقها أو غير ذلك .
ويلحق من وراء ذلك أذىً والظمأ بما يقع من الأذى للناس أو بما يقع من التجريح لهم أو بما يقع من آثار الاجتماعات والتجمعات التي يقضون فيها أوقاتهم فنجد حينئذِ تجسداً لهذه الصورة التي لا تليق بالمسلم فضلاً عن شباب الأمة الذين هم أملها المرتقب .
ونحن نرى ذلك تدفعه أسبابَ وتهيأه أوضاع ذلك أن هناك تربيةَ أسرية تكرس هذه المعاني .
فنجد كثيراً من الآباء والأمهات يغرسون في نفوس أبنائهم هذا المعنى أنه لا ينبغي أن يقرأ ولا أن يتعلم ولا أن يعمل شيئاً ولا أن تسند إليه المهمة ولا أن يقوم بأي شيء وكذلك نجد أمراً آخر يساعد على ذلك وهو:
د - البيئة الاجتماعية
أي الأوسع من دائرة البيئة الأسرية ، فنحن نرى حديث الناس في الصيف عن قضاء الأوقات أو عن قتلها أو عن اتفاقات اللهو والعبث أو عن ذلك من الصور التي تكرس هذا المعنى .
وأمرٌ أيضاً وهو:
هـ - الدعاية الإعلامية
التي تعمق هذا المفهوم فهناك دعوةَ دائما للسياحة ولقضاء أوقات الفراغ ولتنزه ولغير ذلك من الأمور التي قد يكون أصلها ليس محضوراً ولا محرماً لكن تعميقها وجعلها غايةً وصرف الأوقات والأموال فيها هو الأمر الذي ينبغي أن يترفع عنه المسلم .
إننا حينما نتصور أو نجسد هذه الصورة نقف على خطرٍ عظيم ، ذلك أن هناك وقتاً طويلاً يمتد إلى أشهر وأعداداً من شبابنا وشاباتنا وطلابنا وطالباتنا تصير إلى الملايين ، وهناك أوضاعاً وأحوالاً متنوعة متعبدة كلها تكون بلا جدوى ولا ثمرة .