وأخيراً يا شبابَ الإسلام: إنَّ من يعرفُ الداءَ لا يُعجِزَهُ البحثُ عن الدواء، إذا تسلحَ بالإرادةِ القويةِ والعزيمةِ الصادقة، وإذا أحسَّ بخطورةِ هذا الداءِ وسعى إلى دوائهِ، وإذا التجأَ إلى اللهِ ودعاهُ كما دعاهُ الصالحون المستغفرون، وإذا عمرَ وقتهُ بالمفيدِ، وشغلَ نفسهُ بكلِّ عملٍ صالح، حينها يَسلمُ لهُ دينهُ، ويبقى لهُ شَرفهُ وقَدرَهُ، وتسمُو رُوحَهُ، وتزكو نفسُهُ، ويَحظى برضا خالِقهِ وتوفيقه 0
معاشرَ المسلمين: إنَّ الحديثَ إلى الشبابِ، لا يَعني أننا نُطالِبُهم أن يَكُونوا ملائكةً مقربين، ولا أنبياءَ معصومين، فهم بشرٌ يقعُ منهمُ الخطأُ والجنوحُ عن الحقِّ، مَثَلُهُم كمثلِ بقيةِ فئاتِ المُجتمعِ، وكلُّ ابنُ آدمَ خطاء، وخيرُ الخطائين التوابون، لكنِ المطلوبُ أن يكونَ الشبابُ في الموقعِ الصحيح، فإنْ أخطأَ حاسبَ نفسهُ، وحاكمَ تَصرُفهِ، وتابُ إلى ربهِ، وعادَ إلى رُشدِهِ، وقبِلَ حُكمَ اللهِ ورسولهِ على فعالهِ، وفي ذاتِ الوقتِ يجبُ على أبناءِ المجتمعِ أن يعلموا، أنَّ الشبابَ إذا أخطأُ، أو صدرت منهُ هفوةٌ، أو وقعَ مِنهُ ذنبٌ، لا يعني أنَّهُ مغموسٌ في الإثمِ، وميئُوسٌ من حياتهِ ومستقبله، ما دامَ غير َمُصرٍ على عملهِ، ولم يستمر في انحرافهِ، كما أنَّ الحديثَ إلى الشبابِ لا يعني براءةَ غيرهم، كما لا يَعني العُمومِ والشُمولِ، والإحاطةِ واليأسِ، ففي الأمةِ شبابٌ مستقيمٌ نجا بفضلِ اللهِ ورعايتهِ، من غوائلِ الشهوةِ وشُرُورِها، إنَّهم نماذجُ فذَّة، وفتيةٌ آمنوا بربهم، وزادهم هُدى.
وإلى هُنا أجِدُنِي مضطراً لإيقافِ الحديثِ عن قضايا الشبابِ مؤقتاً، بعدما وجدتَني في بحرٍ لُجيٍّ، وعالمٍ من القضايا الشائِكةِ، وذلكَ لأتنفسَ الصعداءَ، ولأُريحَ الخاطرِ، وأُبعِدَ عن وادي اليأسِ، وبحرِ المتناقضاتِ، واللهُ وحدَهُ المُؤمَلُ والمسؤولُ، أن يُحَبب لنا ولشبابِنا الإيمانَ ويُزَيِّنهُ في قُلوبنا، ويُكَرِهَ لنا ولهم الكُفرَ والفسوقَ والعصيان، وأن يجعلنا وإيَّاهم من الراشدين
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ , ومنْ يُضلل فلا هاديَ له .
وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله.
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) )]آل عمران:102 [. (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) )] النساء:1 [. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ! يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) )] الأحزاب:70-71[ .
أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابَ الله , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار
أما بعدُ أيها المسلمون:
ففي زحمة الحياة المادية القاسية , التي سيطرت على أحاسيس الناس ومشاعرهم , ألفيتُهم جفات القلوب , غلاظ الطباع , لا يتأثرون بما يرونه ويشاهدونه , مراراً وتكراراً في حياتهم اليومية المعتادة , أو في المناسبات الموسمية المتعاقبة . فما عادت آيات الله تعالى في الآفاق وفي أنفسهم تحرك شيئاً من إيمانهم , الآخذة في الانحسار والتردي , بفعل حرب شعواءَ يشنها الإنسان على نفسه الضعيفة , حين يمتعها بشهواتها الحرام , وملذاتها الآثمة .
فما عادت السماءُ بطولها الممتد , وصفائها الممتع الجميل, تؤثر في كيان ذلك الإنسان الغارق في جمع الحطام, وإمتاع العين برؤية ما تشتهي .
وما عادت الكواكب المتناثرة في صفحة السماء البهية , تدغدغ أحاسيسه وتحرك شعوره الجامد الهزيل, وما عاد ذلك التعاقب البديع بين الليل والنهار , والشرق والغروب , يذكره بعظمة الخالق المدبر لهذا الكون, المتقن الصنع , بل إنّ الإنسان ليرى بأم عينيه مشهداً عظيماً مهولاً , مشهد الحجاج المزدحمين أفواجاً وأمواجاً في المشاعر المقدسة , يرى أولئك القادمين من كل فج عميق , وقد اختلفت ألسنتهم , وتعددت ألوانهم , وتفاوتت عقولهم ومداركهم , يراهم وهو حاضر بينهم , فينشغل عنهم , بطلب ماء يطفئ حر كبده , أو طلب طعامٍ يسكت جوعته , أو طلب ظلٍ يقيل تحته , ينشغل بذلك ولا تثريب عليه .
لكنه لا يحسن أن يتذكر ذلك اليوم المهول , الذي تحشر فيه الخلائق كلها , بين يدي الله الواحد القهار , ينشغل الحاج بذلك كله عن عقد مقارنة ضرورية , بين ذلك التجمع اليسير , لبضع مئات من الألوف , وبين أرض قاعٍ صف صفا , لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا , تزدحم عليها الخلائق كلها , منذ آدم عليه السلام , وحتى آخر مولودٍ يلفظه رحم أنثى .
ولئن استطاع الحاج أن يحظى بخيمة أو شجرة يستظل تحتها , ووجد من يبتاع منه طعاماً يقيم صلبه , وعثر على مركز صحي يخفف شدة الحر عن جسده المنهك , فأنَّى له بشيء من ذلك , في يومٍ , شديد الحر , عظيم الكرب.
إن على الحاج أن يأخذ من حجه الدروس, ويتزود بزاد التقوى, لذلك اليوم الموعود , الذي لا ينبغي أن يغيب عن ذهنه ومخيلته طرفة عين .
فلا يظلم أحداً , ولا يسفك دماً , ولا ينتهك حرمةً , ولا يرتكب فاحشةً , ولا يقر منكراً , ولا يضيع معروفاً , ولا يظلم بريئاً , ولا يبرئ ظالماً , ولا يقرب لئيماً , ولا يبعد ناصحاً , ولا يستغل منصباً , ولا ينافق رئيساً , ولا يخشى طاغية .
إنَّ على الحاج وغير الحاج أن يتأمل تلك الثياب البيضاء, التي يرتديها الوافدين إلى المشاعر المقدسة , فهي تذكرك بأمرين:
أما الأول: فهي تذكرك بكفنك الأبيض الذي ستلف فيه يوماً ما شئت أم أبيت , ولتلقى في حفرة ضيقة موحشة , لا أنيس ولا جليس , وقد تركت مالك الذي أشقيت نفسك من أجله , فإذا به يُقسم أرباعاً وأسداساً , على أُناس لم تقطر جباههم قطرة عرق واحدة في تحصيله , ولا سهرت عيونهم ساعة واحدة في جمعه .
إن ثياب الإحرام , جديرة بأن تذكرك قصورك وسياراتك, وحشمك وخدمك التي خلفتها وراءك ظهرياً, فقدمت على قبرك خالي اليدين من كل رصيد , إلا عمل صالح تحتسبه عند ربك ومولاك, فلم يعد ينفعك مالٌ ولا ولد , ولا جاه ولا منصب , لم يعد ينفعك إلا توحيدٌ خالص من كل شائبة , وصلاة حافظت عليها في المنشط والمكره , وزكاة أخرجتها عن طيب نفس , وصوم احتسبت أجره وثوابه , وحج أكملت به دينك , لم يعد ينفعك, غير معروف أمرت به ، وائتمرت به , أو منكراً انتهيت وحذرت منه .