فهرس الكتاب

الصفحة 9214 من 9994

فاتقوا الله أيها المؤمنون فإنه من يتق الله يجعل له من أمره يسراً أيها المسلمون لقد سمعتم في الخطبة الأولى شيئاً مما جرى في هذه الغزوة العظيمة غزوة تبوك وقد حوت هذه الغزوة دروساً عديدة وعبراً كثيرة إلا أن أبرزها وأظهرها ما جلته سورة التوبة واعتنت به ألا وهو موقف المنافقين فسورة التوبة فضحت المنافقين وبينت صفاتهم وأفعالهم حتى سميت بسورة الفاضحة فالنفاق أيها المؤمنون من أخطر ما يحارب الإيمان وأهله ولذلك قال الله تعالى لرسوله بعد ذكر صفاتهم:? هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ? (9) ألا وإن من أبرز صفات المنافقين وقبيح صنعهم في هذه الغزوة الكذب فإن الله تعالى قد شهد عليهم به في مواضع عديدة منها هذه الغزوة حيث قال عنهم في اعتذارهم عن الخروج:?وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ? (10) ومن صفاتهم إشاعة الفساد والشر والفتنة بين المسلمين قال الله تعالى: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم -أي بخروجهم- إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم- أي لأسرعوا في الفساد بينكم- يبغونكم الفتنة) . ومن صفاتهم كراهة انتصار الحق وأهله وفرحهم بانكسار الدين وحملته: ?إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ? (11) وقال تعالى: ?إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ? (12) ومن صفاتهم الكفر بالله ورسوله وإضاعة الصلوات بتركها والتكاسل عنها وكراهية الإنفاق في سبيل الله قال الله عنهم:?وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ? (13) ومن صفات المنافقين الاستهزاء بالله ودينه ورسوله والمؤمنين قال الله تعالى:?قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ.لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ? (14) أيها المؤمنون هذا شيء يسير من صفات المنافقين ذكره الله تعالى في كتابه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة تحذيراً للمؤمنين وتنبيهاً . فاحذروهم وتنبهوا لهم فإن معرفة صفاتهم تقي أهل الإيمان شرهم وكيدهم والله لا يصلح عمل المفسدين وهو جلّ وعلا من ورائهم محيط ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.

(1) ينظر لذلك: سيرة ابن هشام (5/195 وما بعده) ؛ سيرة ابن كثير (2/244) ؛ زاد المعاد (1/192وما بعده)

(2) جاء بيان ذلك في أحاديث كثيرة أوفاها وأشهرها حديث تخلف كعب بن مالك عن هذه الغزوة أخرجه مسلم (2769) .

(3) أخرجه: البخاري (2626) .

(4) انظر تفسير ابن كثير (2/483) ؛ وسيرة ابن هشام (5/205) .

(5) سورة: التوبة: آية (49) ؛ وانظر تفسير الطبري (6/386) .

(6) أخرجه: أحمد (20107) ؛ والترمذي (3701) من طريق ضمرة بن ربيعن عن عبدالله بن شوذب عن عبدالله بن القاسم عن كثير مولى عبدالرحمن بن سمرة عن عبدالرحمن بن سمرة ؛ وفيه كثير مولى عبدالرحمن وثقه العجلي وابن حبان والذهبي وضعفه العقيلي وقال ابن حجر: مجهول ولذا حسنه الألباني وقال شعيب الرنؤوط: إسناده حسن لأجل كثير وهو كما قالا رحمهما الله.

(7) سورة: التوبة: آية (79) .

(8) سورة: التوبة: آية (80) .

(9) سورة: المنافقون: آية (4) .

(10) سورة: التوبة: آية (42) .

(11) سورة: التوبة: آية (50) .

(12) سورة: آل عمران: آية (120) .

(13) سورة: التوبة: آية (54) .

(14) سورة: التوبة: آية (65ـ66) .

فيصل بن عبد الرحمن الشدي

الخرج

جامع العز بن عبد السلام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-الحديث عن سيرة المصطفى . 2- عظم غزوة تبوك. 3- شيء من تاريخ الغزوة. 4- بلاء الصحابة الحسن. 5- افتضاح المنافقين. 6- شدة الغزوة. 7- من معجزات النبي في هذه الغزوة. 8- دروس وعبر.

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، فتقوى الله جماع الخيرات ومعدن البركات.

عباد الله، الحديث عن سيرة المصطفى حديثُ تحبُّه النفوس المؤمنة، وتأنس به قلوب بالإيمان مطمئنَّة، فحبه في شغاف الأفئدة مغروس، وتوقيره مشربة به النفوس، بأبي هو وأمي .

وإن الناظر بعين البصيرة يرى صورًا من سيرته تتبدى أمام الناظرين، وعبرًا من حياته وجهاده تتراءى أمام المعتبرين، وفي مثل أيام هذا الصيف اللافح وشدة الحر وطيب الثمار كانت سيوف الصحابة ظاهرة جلية، وأسنة رماحهم مرفوعة عليَّة، في واقعة من مواقع الجهاد النبوي الميمون، في واقعة من أعسر المواقع وأشدها على صحابة رسول الله ، في واقعة كشفت فيها أستار النفاق وأضحى المرجفون والمخذلون ينفخون التخذيل في التخذيل عنها الأبواق، وضرب الصحابة فيها أعظم دروس الإنفاق.

في واقعة استنهض فيها الرسول عزائم الرجال بحفنات من المال؟! كلاَّ، فوالذي لا إله حق غيره لم يبايعوه على ذلك، وإنما على جنات عدن وطوبى والفردوس وأعظم به من مآل، في واقعة أخذت من القرآن سورة كاملة من سوره الطوال، وبوب فيها البخاري وغيره بابًا كاملاً، وحفلت بها كتب السنة وسطرت أحاديثها ومجرياتها كتب السيرة بافتخار وإكبار، تلكم ـ يا رعاكم الله ـ غزوة القوة، غزوة البلاء غزوة العسرة، إنها غزوة تبوك.

ويعظم الحديث ويحسن عن هذه الغزوة في مثل هذا الزمن الذي تشابكت بأمة الإسلام حلقات من المحن، وتقاذفتها أمواج من الفتن، وصيح بهم من كلّ جانب وتداعى عليهم الأكلة، يجمُل الحديث عن هذه الغزوة في مثل هذه الأوضاع العالمية المتلاحقة التي تكرّس لدى المسلمين جميعًا كل يوم أن رزق هذه الأمة وعزها تحت ظل رمحها وجهادها، وذلتها وصغارها في تركها لجهاد أعدائها وإخلادها لشهواتها ودنياها.

معاشر المسلمين، استقر الإسلام في الجزيرة، وفتحت مكة، وانطلقت الأنوار من الجبال والصحاري، وأخذت الأفواج تلو الأفواج تدخل في دين الله، وتلقى أعداء الله من الروم وغيرهم أنباء تلك الانتصارات وما كانوا عنها غافلين، فصاروا يجمعون جموعهم ويمكرون مكرهم، فكانت بداية التحرش بدولة الإسلام الفتية في واقعة مؤتة، والتي كان سببها قتل مبعوث رسول الله إلى عظيم بصرى، فقابل ثلاثة آلاف من المسلمين مائتي ألف من الروم وأعوانهم، أيّ عزة هذه؟! وأي قوة تلك؟! دولة ناشئة تقف أمام دولة وهي في أوج قوتها.

إن مواجهة الأعداء لا يشترط فيها دائمًا تكافؤ القوى الظاهرية بين المؤمنين وأعدائهم، كفانا قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ [الأنفال:60] ، والنصر بيد الله، يقول عبد الله بن رواحة لأصحابه في غزوة مؤتة: (والله، ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور ـ أي: انتصار ـ وإما شهادة) ، ولنا في الشيشان عبرة وفي أطفال الحجارة تذكرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت