فهرس الكتاب

الصفحة 5676 من 9994

#علاج الهموم والأحزان

عبد العظيم بدوي الخلفي

ملخص المادة العلمية

أن الدنيا دار الهموم والغموم والأحزان وذكر الفرق بينها وأهمية الدعاء في زوال ذلك.الدعاء الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم لإزالة الهم والحزن وشرح هذا الدعاء.أهمية القرآن في جلاء الأحزان.

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: (( ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي، إلا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرحا، قال: فقيل: يا رسول الله ألا نتعلّمها؟ فقال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها ) ).

إن الدنيا دار الهموم والغموم والحزن والنصب، والهم والحزن يفتكان بالإنسان ويذهبان بصحته وعافيته، كما قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم [يوسف:84] .

أي ذهب بصره من شدة حزنه على يوسف وأخيه. ولذا كان النبي يستعيذ بالله من الهم والحزن. والفرق بينهما: أن المكروه الوارد على القلب إن كان بسبب أمر ماض أحدث الحزن. وإن كان بسبب أمر مستقبل أحدث الهم.

وإن كان بسبب أمر حاضر أحدث الغم.

وذهاب الهم والحزن نعمة من أعظم نعم الله عز وجل، ولذا قال تعالى حكاية عن أهل الجنة لما دخلوها: وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب [فطر:34-35] .

وهذا الحديث حديث عظيم، أرشد فيه أمته إلى الفرار إلى الله بالسؤال والدعاء والذكر عند حدوث الهم والحزن، ولا سيما هذا الدعاء.

وقد تضمن هذا الحديث أمورا من المعرفة والتوحيد والعبودية:

منها: أن الداعي به صدّر سؤاله بقوله: (( إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك ) )، وهذا يتضمن من فوقه من آبائه وأمهاته حتى ينتهي إلى أبويه آدم وحواء، وفي ذلك تملق له، وانكسار بين يديه، واعتراف بأنه مملوكه وآباؤه مماليكه، وأن العبد ليس له غير باب سيّده وفضله وإحسانه، وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه، بل يضيع أعظم ضيعة.

ومعنى هذا الاعتراف: أني لا غنى بي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده.

وفي ضمن ذلك: الاعتراف بأنه مربوب مدبّر، مأمور منهي، إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه، فليس هذا شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار، وأما العبيد فتصرفهم على محض العبودية.

وفي التحقيق بمعنى قوله: (( إني عبدك ) )التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة، وامتثال أمر سيده، واجتناب نهيه، ودوام الافتقار إليه، واللجأ إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وعياذ العبد به، ولياذه به، وأن لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفا ورجاء.

وفيه أيضا: أني عبد من جميع الوجوه: صغيرا وكبيرا، حيا وميتا، مطيعا وعاصيا، معافى ومبتلى، بالروح والقلب، واللسان والجوارح.

وفيه أيضا: أن مالي ونفسي ملك لك، فإن العبد وما ملك لسيده.

وفيه أيضا: أنك أنت الذي مننت علي بكل ما أنا فيه من نعمة، فذلك كله من إنعامك على عبدك.

وفيه أيضا: أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي إلا بأمرك، كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده، وإني لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.

فمن فهم هذه المعاني وشهدها فقد قال: (( إني عبدك ) )حقيقة، وحق له أن يعتز ويفخر بهذه العبودية، كما قال القائل:

ومما زادني شرفا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبيا

فإن في العبودية لله كمال الحرية، وفي الذل له كمال العزة، وفي الافتقار إليه كمال الغنى، وفي الخوف منه كمال الأمن.

ومعنى قوله: (( ناصيتي بيدك ) )أي أنت المتصرف في، تصرفني كيف تشاء، لست أنا المتصرف في نفسي، وكيف يكون له تصرف في نفسه مَن نفسه بيد ربه وسيده، وناصيته بيده، وقلبه بين أصبعين من أصابعه، وموته وحياته، وسعادته وشقاوته، وعافيته وبلاؤه، كله إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيء، بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره، بل الأمر فوق ذلك.

ومن علم أن ناصيته ونواصي العباد جميعا بيد الله وحده، يصرفهم كيف يشاء لم يخشهم بعد ذلك ولم يرجهم، وصار فقره وضرورته إلى ربه وصفا لازما له، ولم يفتقر إليهم، ولم يعلق أمله ورجاءه بهم، وحينئذ يستقيم توحيده وتوكله وعبوديته، ولهذا قال هود عليه السلام لقومه: إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [هود:56] .

وقوله: (( ماض في حكمك، عدل في قضاؤك ) )تضمن أمرين:

الأول: مضاء حكمه في عبده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت