إعداد/ د. عبد الله شاكر الجنيدي
الحلقة الثانية
نائب الرئيس العام
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد تحدثت في اللقاء السابق عن حالة العالم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وبينت أن بعثته كانت خيرًا للبشرية في الدين والدنيا، وذكرت بعض الأدلة على عموم بعثته - عليه الصلاة والسلام - وأواصل الحديث حول هذا الموضوع فأقول:
عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة» (1) ، وفي رواية لمسلم: «وبعثت إلى كل أحمر وأسود» ، وفي رواية أبي هريرة في مسلم أيضًا: «وأرسلت إلى الخلق كافة» .
قال ابن حجر - رحمه اللَّه: «وظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك، ولا يعترض بأن نوحًا عليه السلام كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا معه وقد كان مرسلاً إليهم، لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك، وأما قول أهل الموقف لنوح - عليه السلام - كما صح في حديث الشفاعة: «أنت أول رسول إلى أهل الأرض» ، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادًا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم» (2) ، وقال النووي في شرحه لرواية مسلم: «وبعثت إلى كل أحمر وأسود» : «قيل المراد بالأحمر: البيض من العجم وغيرهم، وبالأسود العرب لغلبة السمرة فيهم وغيرهم من السودان، وقيل: المراد بالأسود السودان، وبالأحمر من عداهم من العرب وغيرهم، وقيل: الأحمر: الإنس، والأسود: الجن، والجميع صحيح فقد بعث إلى جميعهم» (3) .
وقال الطحاوي - رحمه اللَّه: «وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى وبالنور والضياء» . قال ابن أبي العز - رحمه اللَّه: «أما كونه مبعوثًا إلى عامة الجن فقد قال تعالى حكاية عن قول الجن: يا قومنا أجيبوا داعي الله، وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضًا، وأما كونه مبعوثًا إلى كافة الورى فقد قال تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا، وكونه صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وأما قول بعض النصارى: إنه رسول إلى العرب خاصة فظاهر البطلان، فإنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال إنه رسول إلى الناس عامة، والرسول لا يكذب، فلزم تصديقه حتمًا، فقد أرسل رسله وبث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس، وسائر ملوك الأطراف يدعو إلى الإسلام» (4) .
وقد زعمت العيسوية أيضًا من اليهودية أنه رسول إلى العرب خاصة (5) ، وقد كذبوا في ذلك، كما خاب وخسر من سمع برسالته ولم يؤمن به، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (6) .
قال النووي - رحمه اللَّه - في شرحه: «فيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهذا جار على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح، والله أعلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة» أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى، والله أعلم» (7) .
والمراد بالأمة في هذا الحديث عموم أهل الدعوة، أي: كل من دعاه إلى الإيمان، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «يهودي ولا نصراني» ، بدل بعض من كل، والحديث يدل على عموم الشريعة لكل الأمم في كل زمان ومكان، فكان من تبلغه دعوة الإسلام، ويسمع بالرسول عليه الصلاة والسلام ومات ولم يؤمن بالذي أرسل به فإنه من أصحاب النار، ولو تأمل العقلاء في رسالته وما جاء به وسيرته وما كان عليه لدخلوا في دين اللَّه أفواجًا وآمنوا بالنبي المصطفى المختار - صلوات اللَّه وسلامه عليه، وهذه بعض النماذج اليسيرة من رحمته وحلمه وعفوه وصحفه، صلى الله عليه وسلم.