فهرس الكتاب

الصفحة 7816 من 9994

وليتقِ الله تعالى كل من يكتب أو يتكلمُ في هذه القضايا أن يكتبَ حرفاً أو ينطقَ بكلمةٍ تدفع بعجلةِ تغريبِ المجتمعِ وانحلالهِ إلى الأمام. وليتقِ الله تعالى كلَّّ من عَلِمَ بأسبابِ التبرُّجِ والاخْتلاطِ في أي مكانٍ أن يقومَ بإنكارهِ والتبليغِ عنه درءاً للفتنةِ وإطفاءً لحريق الفسادِ وأملاً في إبطالِ مخطَّطاتِ الأعداءِ في الداخلِ والخارج .

قال تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (التوبة: 71) .نفعني الله وإياكم .

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يُحِبُّ ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين .

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون حقَّ التقوى ، واحْذَروا المخالفاتِ فإن أجسامَكُم على النارِ لا تَقْوى .

أيها المسلمون: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُحذِّر في خُطْبتِه من البِدَع ويُبَيِّن أنها ضَلالاتٍ وأنَّها في النارِ، لِهذا فإن المسلمَ يجبُ أن يُولِي الحذَر من البدع ما كان يُولِيهِ إيَّاها صلى الله عليه وسلم حيث كان يُحذِّر منها في خُطَبه ومُنَاسَبَاتِه التي تَجمعُه مع أصحابِه عِلماً منه صلى الله عليه وسلم أن البِدعَ إذا سَرَت في الأُمة ارْتَحَلتْ منها السنَن التي نَزَلت نقِيَّةً صافيةً مُوائِمةً لحاجةِ الناس .

فعلى الجميعِ أن يكونَ ذا حساسيةٍ وحذرٍ من سريانِ البدعِ المُضلَّة في الأُمة ، ومَدارُ الأمرِ يكونُ في الحرصِ على دِين الناسِ ودُنياهم فإن الدين يَنْهى عن البدعِ، وزوال الدنيا من أسبابه البدعُ والمُحدَثات .

ألا وإنَّه من الواجِب التنبيهُ عليه ما يُقامُ هذه الأيام مِمَّا يسمَّى ( مهرجانُ الزهورِ) وهو في حقيقتِه عيدٌ من أعيادِ الجاهليةِ يُقامُ كلَّ عامٍ على مستوى العالَمِ ولكنَّه سرى إليْنا في العام الماضي بسببِ تَساهُلِ أهْلِ الإسلامِ من جهة ومن أُخرى من آثار ما يُسَمَّى الانْفِتَاح على العالم، ومهرجانُ الزهورِ في البلادِ الأخرى يُسمَّى عيدُ الزهور وهو عيدُ الربيعِ حيثُ تكون فيه الورودُ والزهورُ والخضرةُ قد وصلت إلى قمَّتِها وجمالها وكمالها، وهو عيدٌ فرعونيّ يكون الاحتفالُ به في الحدائق العامةِ شكراً للإله على الربيع الدائمِ والخضرةِ الجميلة .

وسَرى هذا العيدُ إلى بلدان العالم شرقيِّها وغربيِّها في الصينِ واليابانِ والفلبين فضلاً عن مِصرَ والبلادِ العربية التي هي أقربُ إلى الجاهليةِ الفرعونيَّة .

ولذا وجبَ على أهل العلم والْهُدى: البيانُ عن تحريم أعياد الزهور أو مهرجانات الزهور, و بهذا يُقيم حملَةُ الشريعة الْحُجَّة على الْخَلْق حَسَبَ الوسع, وهذا من طاعة الله تعالى, وطاعة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, الذي فيه صلاحُ المعاش والمعاد, وهو من أفضل الأعمال, ومِن كَمال محبة الله تعالى , ومحبة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم, ومحبَّة ما شرع الله سبحانه وأَمَرَ به, وكراهة ما نَهى عنه, وعلى هذا يجمعُ الله القلوب , ويُؤلِّف بينها , وتجري الأحوال على جادَّة واضحة لا اختلاف فيها ولا اضطراب , ولا لَبْسَ فيها ولا غُموض . ولا تَتِمُّ مصالح الآدميين إلاَّ بالاجتماع والتعاون على البرِّ والتقوى , وأمَّا السكوتُ عن بيان الأحكام فهو من أعظم أسباب الفتن, واختلاط الأحوال, وخفاء الشريعة , وتقلُّص نورها, وظهور البدع والضلالات وأهلها, وإلى الله تعالى وحده الْمُشتَكى , قال تعالى: {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } .

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا، وصرفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزة واقتدارا، وأرسل الرسل إلى المكلفين إعذاراً منه وإنذارا، فأتم على من اتبع سبيلهم نعمته السابغة، وأقام بهم على من خالف منهجهم حجته البالغة، فنصب الدليل، وأنار السبيل، وأزاح العلل، وقطع المعاذير، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، وقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ } وأرسل رسله مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فقبل نعمة الهداية، من سبقت له سابقة السعادة، وتلقاها بيمين، وردها من غلبت عليه الشقاوة، ولم يرفع بها رأساً بين العالمين، فسبحان من أفاض على عباده النعمة، وكتب على نفسه الرحمة. أحمده والتوفيق للحمد من مننه، وأشكره والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه، وأستغفره وأتوب إليه، من الذنوب التي توجب زوال نعمه، وحلول نقمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمةً قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وحجته على عباده، وأمينه على وحيه، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للناس أجمعين، ومحجة للسالكين، وحجة على المعاندين، مشمراً في ذات الله تعالى، لا يرده عنه راد، فلم يزل يصده عنه صاد، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الأرض نوراً وابتهاجاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فصلى الله وملائكته والصالحون من عباده عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد.

عباد الله:

لقد جاء الإسلام إلى هذه المعمورة، والشرك قد خيم، والجهل قد استحكم، والمجتمعات يسودها الفوضى، والناس يظلم بعضهم بعضاً، جاء الإسلام ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ناسخاً للأديان كلها، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً} مقرراً أنه لا دين حق إلا هو {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ؛ ذلك لأنه دين الكمال {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ففيه العقائد الفطرية، التي يوافقها العقل الصحيح، وتسمو بالإنسان عن الخضوع والعبودية لغير خالقه ورازقه، ومالك ضره ونفعه، وموته وحياته، فلا إله غيره ولا رب سواه. وفي الإسلام جماع الأخلاق الفاضلة، التي تهذب النفوس، وتطهرها من كل دنس، فلا يستطيع أحد مهما بلغ علمه، وعظم أمره، أن يجد فيها مطعنا، ينفس فيها عن حقده وضغنه، إلا ارتد عليه سهمه، وأصاب كيده نحره

كناطح صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوها قرنه الوعل

عباد الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت