ولو تكلمت عن عمر رضي الله عنه الأيام والليالي الطوال لما أتيت على خصاله .. فعن ماذا أتكلم؟ عن جهاده وفتوحاته العظيمة ضد الروم والفرس؟ ... عن تنظيمه للجند وبيت المال ولكثير من الولايات والأمارات وكل ما من شأنه صلاح الدولة الإسلامية؟ أم عن عدله في رعيته ومحاكمة الولاة إذا ما تعدوا وأساءوا استخدام السلطة؟ أم عن محافظته على سنة النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بها وتأديب كل من حاول الإحداث في الدين؟ أم عن سهره ومراقبته لكل ما يحدث في البلاد ومتابعته بنفسه لكل صغيرة وكبيرة؟ أم عن زهده وتقشفه وتواضعه لدرجة أنه ظهر على ثوبه أكثر من عشرة رقع؟ أم عن قبوله النقد العلني أمام الناس وهو على المنبر من أي فرد من الأمة وتراجعه أو دفاعه عن نفسه أمام الملأ؟
مثل ما حدث له حينما قال: اسمعوا وأطيعوا أيها الناس، فرد عليه أحد الصحابة وقال: لا سمع لك ولا طاعة .. قال ولم؟ قال أعطيت الناس، كل واحد ثوباً وأنت أخذت ثوبين، فقال لابنه: قم يا عبد الله وأخبره خبر الثوبين .. فقال عبد الله: إن أبي رجل طوال ولا يكفيه ثوب واحد، فأعطيته ثوبي إلى ثوبه ليلبسه .. فقال الصحابي: الآن قل نسمع ونطيع.
أيها الإخوة: عن أبي خصلة أتكلم؟ لا أدري.
أيها الإخوة: إنها فقط إشارات ووقفات سريعة. خرج عمر رضي الله عنه إلى المسجد وهو مريض وقد وصف له العسل، وكان في بيت المال عسل فحينما أتى المنبر فقال للناس: إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فإنها علي حرام، فأذنوا له فيها.
خرج ابنه عبد الله واشترى غنماً بأربعين ألف درهم، فحينما رآها عمر عرف أنها تساوي أضعاف هذا الثمن .. فقال: لقد أعطوك هذه الغنم بهذا الثمن لأنك ابن أمير المؤمنين، ولكنني سوف أبيعها وأعطيك ضعف ثمنها الذي اشتريتها به والباقي يعاد إلى بائعها الأول، فباعها بأربعمائة ألف درهم فأعطى ابنه ثمانين ألف درهم وأرسل 320 ألف درهم إلى البائع الأول.
لقد كان عمر رضي الله عنه يسأل عما صرف على رحلته إذا حج، فقد سأل مرة الرجل المؤتمن على الصرف من بيت المال كم صرفت في حجتنا هذه؟ قال: خمسة عشر ديناراً، وكان يقترض أحياناً من بعض الناس لحاجته، فقيل له: ألا تأخذ قرضة من بيت المال؟ قال: فإذا مت قلتم دعوها لورثته، فأسأل عنها يوم القيامة .. لا ولكنني آخذها من رجل حريص شحيح، فإن مت أخذها من ميراثي.
إن عمر بن الخطاب هو أول من وضع التأريخ في المراسلات والكتب، واعتبر سنة الهجرة هي بداية التاريخ بعد أن استشار الصحابة وقال أؤرخ لمهاجر النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه فرق بين الحق والباطل، وهو أول من دعي أمير المؤمنين.
لقد كان يأمر الناس وينهاهم ثم يأتي إلى أهله ويقول: قد سمعتم مقالتي: فإن أتي أحد منكم شيئاً مما نهيت عنه ضاعفت له العقوبة.
وقد كانت فاجعة قتله في صلاة الصبح من أبي لؤلؤة المجوسي يوم الأربعاء في آخر محرم سنة أربع وعشرين للهجرة، ودفن في الحجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر بعد أن استأذن من عائشة رضي الله عنها فأذنت له، وقد كان رأس أبي بكر بمحاذاة كتف النبي صلى الله عليه وسلم ورأس عمر بمحاذاة وسط النبي صلى الله عليه وسلم. رضي الله عنه وعن أبي بكر وعن جميع الصحابة والآل. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
الخطبة الأولى
أما بعد..