أنَّ الإسلامَ يأبى لأتباعه أن يمضوا حياتهم صرعى شهواتٍ، وأُسارى ملذاتٍ، يأبى لهم أن تتضاءلَ أهدافُهم، حتى تنحصرَ في جمعِ المالِ، أو تبوءَ المنصبِ، أو بناءَ بيتٍ، أو أزواج أو غيرها، ولو كانت هذه هي أهدافُ المؤمن، فإنَّهُ لا فرقَ بينه وبين غيرهِ ممن حُرم نورَ الإيمان، فليس بمؤمنٍ من بات ( عقلُه مسبياً في بلادِ الشهوات، وأملُهُ موقوفاً على اجتناءِ اللذات، وسيرتهُ جاريةً على أسوءِ العادات، ودينه مستهلكاً بالمعاصي والمخالفات، وهمتهُ واقفةً مع السفليات، وعقيدتُه غير متلقاة من مشكلاتِ النبوات ) فهو في الشهواتِ مُنغمس، وفي الشُبهات منتكس، وعن الناصحِ مُعرض، وعلى المرشدِ مُعترض، وعن السراءِ نائمٌ، وقلبُهُ في كلِ وادٍ هائم .
ومن لم يربِّ نفسهُ فمن يُربيه؟! وقد بلغَ رُشدهُ واستوى على أشده، لقد جاءتنا نُذرُ ربنا: (( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) ) (الشعراء:207) .
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار
أما بعد ، أيَّها المسلمون:
فإنَّ كثيراً من المسلمين اليومَ ، يقولون بأفواههم لا إله إلا الله ، محمدُ رسولُ الله ، ويُرددونها مراتٍ عديدة ، في مناسباتٍ كثيرة ، ويعلمون كذلك, أنَّ هذه الشهادة: هي شرطُ الإسلامِ, وأساسُهُ الذي لا يقومُ بدونه ، ثُمَّ تنظُر بعد ذلك إلى حياتهم وتصرفاتهم ، فتجدُهم ينقضون هذا العهد ، ويُكذِّبون هذه الشهادة بتصرفاتهم وأعمالهم ، وفي تصوراتهم وأفكارهم .
وأخطرُ أنواعِ التصرفاتِ التي تناقضُ الإسلامَ, وتهدُمه، صرفُ التبعيةِ والولاءِ لغيرِ حكمِ الله وشرعه ، وانظر إن شئتَ في بلادِ المسلمين ، تجد كثيراً من المسلمينَ ، أفراداً وشعوباً ، قد صرفوا ولاءَهم, وتبعيُتَهم إلى حكامٍ طواغيت، أو إلى أمراء وسادة ، أو إلى أحبارٍ وكهنةٍ ، شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله ، وأفتوا بغيرِ علم، سعياً وراء شهوةٍ أو شُبهة، وسار كثيرٌ من المسلمين في ركابِ أولئكَ الطواغيت، يأخذون عنهم تشريعاتِهم ، ويخضعون لحكمهم، فتحول هذا المظهَر إلى واقعٍ أليم .
فبشرٌ يُشرِّعون, ويحكمون , وآخرون يُنفَّذون ويَخضعون , أيّ تحول بعضُ البشر إلى أربابٍ وآلهة ، وعُبدَ هم الباقون وقدَّسوهم . فهل أوضحُ من هذا المظهر من مظاهرِ الوثنية ؟ بل إنك لتقرأُ في كتبِ القانون ، التي يؤلفها مسلمون في بلادٍ إسلامية ، ما يلي مثلاً: قال المشرعُ الفرنسيُّ كذا وكذا، وقال المشرعُ البريطانيَّ كذا وكذا ،! أمَّا الفقيهُ الأمريكيُّ الكبير فقد قال كذا وكذا ، وأجمَعَ الفقهاءُ الروس على كذا وكذا ! إذاً ، فقد وصلَ الأمرُ بأولئك الطواغيت إلى أن جعلَوا أنفسَهم مشرعينَ, وفقهاءَ يخضعُ لهم الخلق من دون الله، وقد استساغ َ هذا الواقعُ الأليم كثيرٌ من المسلمين, وألِفُوهُ حتى إنَّك لتكادُ تُصعق وأنت تقرأ عن نزاهةِ القضاء ، وشجاعةِ القاضي الكبير فلان! وسعادةِ المستشار، وتتساءلُ في عجب !! أيُ قضاءٍ هذا ؟!فتخطرُ في بالك مظاهرُ القضاءِ الحقيقي, الهيئاتُ الإسلاميةُ المهيبة , وآياتُ اللهِ وأحاديثُ رسولِه التي يُهتدي بها ، وشرعُ اللهِ الذي يَحكُم ويتصاغرُ أمامَه الحكَّامُ والأمرءُ, والسادة والكبارُ والصغار , حتى يؤخذَ الحق منهم. ولكنك لا تلبثُ أن تُصعقَ ، حينما ترى الوجوهَ المصقولَةِ ، والهيئاتِ الأجنبيةِ البغيضةِ لأولئك المُسمِّين بالقضاةِ، وبين أيديهِم وفي عقولِهم أفكارُ طواغيتِ البشرِ وطغاتِهم, يحكمونَ بها بين الناس ، وما هو في الحقيقةِ إلاَّ قضاءٌ نزلَ بالمسلمين بعد أن غيروا ما بأنفسهم ، فأفلَتَ المجرمون، والقتلة يسفكون دماءَ المسلمين, ويستبيحونَ أموالَهم ونساءَهم، وشُربتِ الخمورُ في الشوارع، وبيعت في الدكاكينِ والمحلات، واعتلى المرتدون والزنادقةُ المنابرَ يسخر ونَ من شعائرِ الدين ، ويتنقصونَ صَاحبَ الرسالةِ- عليه الصلاة والسلام- ويصفون كلَّ متدينٍ شريف، بالتخلفِ والرجعيةِ والإرهابِ .
وحرسَ تلك المخالفاتِ والتجاوزات , أولئك المستكبرونَ بقوةِ شرعهِم وقانونِهم , وعَبَّدُوا المسلمين لغيرِ الله ، فخضعَ أكثرُهم, وأعطى تبعيتَه, وولاءهُ لغيرِ الله تعالى ، ونسي المسلمُ المسكين كتابَ ربه ، وهو يُحذِّرهُ عاقبةَ التبعيةِ لغيرِ اللهِ تعالى, ويُصورُ لهُ مواقِفَ حيةً لأولئكَ المتبوعين, والأتباعِ يومَ القيامة حين يرون العذاب ، بين يدي اللهِ الواحدِ القهار , وكيف يتبرأُ بعضُهم من بعض, وتعلُوهم الحسرةُ, والندامة ، ويتمنونَ لو عادوا إلى الدنيا ، فيخلصوا للهِ وحدهُ من دونهم ، ويكفروا بهم وبقوانينهم .
وفي هذا يقول الله تعالى: (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) ) [البقرة: 166، 167] .