فهرس الكتاب

الصفحة 2482 من 9994

#الجذع يحن إليه !!

د. لطف الله خوجه

< محبة مفترضة:

من حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم- محبته، وقد ورد الأمر بها في القرآن. قال الله ـ تعالى ـ: {قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .

وموضع الشاهد: ما في الآية من الوعيد، لمن كانت محبته لشيء، أكثر من محبته لله ـ تعالى ـ ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، في كلمتين هما:

أولاً: قوله: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} والتربص هنا للعقوبة، ولا تكون العقوبة إلا لترك واجب.

ثانياً: قوله: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} فقد وصفهم بالفسق؛ وذلك لا يكون إلا بفعل كبيرة فما فوقها، من كفر وشرك، لا في صغيرة.

فمن قدّم شيئاً من المحبوبات على محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو فاسق، متربص ببلية تنزل عليه.

وقد اقترنت محبته -صلى الله عليه وسلم- بمحبة الله تعالى؛ وذلك يفيد التعظيم، كاقتران طاعته بطاعة الله تعالى.

وثمة نصوص نبوية صريحة، في وجوب تقديم محبته ـ عليه الصلاة والسلام ـ على كل المحبوبات الدنيوية:

3 النص الأول:

كان النبي آخذاً بيد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فقال له عمر:

-«يا رسول الله! لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي.

-فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا، والذي نفسي بيده! حتى أكون أحب إليك من نفسك.

-فقال له عمر: فإنه الآن والله! لأنت أحب إليَّ من نفسي.

-فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الآن يا عمر!». [البخاري، الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي] .

النفي المؤكد بالقسم يدل على وجوب تقديم محبته ـ عليه الصلاة والسلام ـ على النفس.

فأَمْرُه بتأخير محبة النفس، وتقديم هذه المحبة النبوية عليها ـ مع كون محبة النفس جِبِلَّة في الإنسان، يقدمها على كل شيء، ولا يُلامُ على ذلك في أصل الأمر، إلا إذا تجاوز بها إلى محظور ـ دليل وجوب، لا استحباب.

إذ لا يؤمَر الإنسان بترك فِطرة فُطِرَ عليها، وليست مذمومة في أصلها، إلا إذا قادته إلى محظور. وتقديم محبة النفس على محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، تقود إلى فعل المحظورات، كما هو مجرّب، فلذا وجب التقديم.

أمر ثانٍ: النفس هالكة لولا فضل الله ـ تعالى ـ على الناس بهذا النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو سبب نجاتها، فمحبته أحق بالتقديم.

3 النص الثاني:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [البخاري، الإيمان] .

هذا نص في وجوب أن يكون ـ عليه الصلاة والسلام ـ أحب إلى المرء من كل شيء دنيوي، وذلك لأمور:

-كونه نفى حصول الإيمان إلا بكونه أحب شيء، والإيمان واجب، وما تعلق به فهو واجب.

-ثم إن الخطاب جاء في حق الأعيان في قوله: «أحدكم» ، فكل مؤمن مخاطب بهذه المحبة.

-ثم إنه أتى بصيغة التفضيل: «أحب» ، وهو صريح في تقديم محبته مطلقاً على كل شيء دنيوي.

وهذه المحبة الواجبة من فرّط فيها فهو آثم مذنب، ومن قدّم عليه محبة: الآباء، أو الأبناء، أو الإخوان، أو الأزواج، أو شيء من متاع الدنيا، فهو آثم فاسق، مستحق للعقوبة، فقوله: «لا يؤمن أحدكم...» نفي للإيمان الواجب، بمعنى أن من فعل ذلك فقد نقص إيمانه نقصاً يستحق به الإثم والعقوبة.

فالشارع لا ينفي واجباً، ثبت وجوبه، إلا لترك واجب فيه.

والإيمان واجب، ولا ينفي بقوله: «لا يؤمن.. .» إلا لترك واجب فيه، كالصلاة لا تنفى إلا لترك واجب فيها، كقوله: «لا صلاة لمن لا وضوء له» [أخرجه أحمد] .

والإثم والعقوبة متفاوت بحسب نوع التقديم:

فتارة يكون كفراً، وذلك في حالين:

-الأول: إذا كان التقديم مطلقاً، فلا يتعارض شيء مع محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا قدّم ذلك الشيء، وهكذا في كل شيء، فهذا يعبد هواه، ولا يعبد الله ـ تعالى ـ في شيء.

-الثاني: إذا كان التقديم في بعض الأحوال، لكن في أمور كفرية، ينقض بها أصل دينه، فيقدم محبة الأمور الكفرية على محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كمن نصر الكافرين على المسلمين.

-وتارة يكون كبيرة، وذلك إذا قدّم محبة الكبائر على محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فشرِبَ الخمر وزنى، ولم يطع النبي -صلى الله عليه وسلم- في نهيه عنها، فهذا قدّم محبة هذه الكبائر.

-وتارة صغيرة، وذلك إذا فعل الصغائر، فقدم حبها على حبه النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وطاعتَه.

< عبودية لا إلهية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت