فهرس الكتاب

الصفحة 2483 من 9994

وليس فوق محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا محبة الله تعالى؛ فإن محبة الله ـ تعالى ـ هي أعلى المحبوبات وأوجبها على الإطلاق، ولا يجوز أن يساوى بينه ـ تعالى ـ وبين غيره في المحبة، حتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن محبته وإن كانت عظيمة مقدمة على المحبوبات الدنيوية، لكنها تبقى في مرتبة البشرية، لا تبلغ مرتبة الألوهية؛ فلله ـ تعالى ـ محبة تخصه تسمى: محبة التألُّه، والخلة. ويقال كذلك: المحبة الذاتية. فلا يجب محبة شيء لذاته إلا الله تعالى.

ومن هنا يُفهَم خطأ من بالغ في محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى جعله كمحبة الله تعالى، فنسب إليه خصائص الخالق سبحانه، من:

-علم الغيب.

-وتدبير الخلق.

-ونسبة إجابة الدعوات إليه.

-ودعائه والاستغاثة به من دون الله ـ تعالى ـ في قضاء الحوائج، وتفريج الكربات.

-وسؤاله شيئاً لا يقدر عليه إلا الله تعالى.

فإن محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن اقترنت بمحبة الله ـ تعالى ـ إلا أنها كاقتران طاعته بطاعته. أما المحبة الإلهية فشيء وراء المحبة البشرية، وما أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ليعلّق القلوب بالله تعالى، ويخلص الناس محبتهم لله ـ تعالى ـ فلا يشركون فيها معه غيره، وهذه هي العبودية، التي قال ـ تعالى ـ فيها:

ـ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، أي: ليخلصوا المحبة والخضوع والطاعة لله تعالى.

وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا المسلك غاية التحذير، وحرص على منع كل ذريعة تفضي إلى مساواته بالله ـ تعالى ـ في المحبة، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

- «لا تُطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم؛ فإنما أنا عبده، فقولوا: عبدُ الله ورسوله» .

ومعنى الأثر: لا تبالغوا في مدحي، وتغلوا فيّ كغلوِّ النصارى في عيسى عليه السلام.

فإن النصارى زعموا فيه أنه إله، وأنه ابن الله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِبًا} [الكهف: 5] ، فقد خشي النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا المسلك، فنهى عن المبالغة في مدحه.

وقد وقع ما نهى عنه -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث غلا فيه أناس حتى جعلوه في مرتبة الألوهية والربوبية:

-فنسبوا إليه ما لا يليق إلا بالخالق، وصنعوا به كما صنع النصارى بالمسيح، غير أنهم لم يقولوا: هو ابن الله، لكنهم نسبوا إليه: التصريف، وعلم الغيب، وإجابة الدعاء، وهذا إنزال له في مرتبة الألوهية، وإن لم يقولوا: إنه الله؛ فإن العبرة بالمعاني والحقائق.

-كما أنهم ابتدعوا له عيداً، يحتفلون فيه بمولده -صلى الله عليه وسلم-، كابتداع النصارى عيد الميلاد للسيد المسيح عليه السلام، ولم يفعله ولم يأمر به عليه السلام، كما لم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يأمر في حق نفسه الشريفة.

لقد اتبع طائفة من المسلمين سنن اليهود والنصارى حذو القُذة بالقُذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، كما أخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-.

نعم! النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم الخلق، وسيد ولد آدم، وخليل الله تعالى، وأعلى الناس منزلة يوم القيامة، وفي الجنة، وهو إمام الأنبياء والمرسلين، لا يبلغ مقامه نبي مرسل، ولا مَلَك مقرَّب، غير أنه تحت سقف العبودية، دون مرتبة الألوهية، وقولُه:

- «إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» .

تقريرٌ لهذه الحقيقة، ولجم وإبطال لدعاوى فريقين:

الأول: الغالي، الذي رفعه عن مرتبة العبودية، وذلك بقوله: «فقولوا: عبد الله» .

والثاني: الجافي، الذي عامله كسائر الناس، فلم يميزه بالمرتبة العالية، وذلك بقوله: «ورسوله» .

قال الله ـ تعالى ـ:

- {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] .

وتقديم محبته -صلى الله عليه وسلم- على كل شيء له أربعة أسباب: الاثنان الأولان منها على سبيل الوجوب، والآخران على سبيل الاستحباب:

الأول: أمر الله ـ تعالى ـ به، حيث تقدمت الأدلة الدالة على هذا، وهذا السبب وحده يكفي في الوجوب.

الثاني: منّته -صلى الله عليه وسلم- على أمته؛ إذ هداهم الله به، ودلهم على طريق السعادة والنجاة من شقاء الدنيا والآخرة.

الثالث: كماله الخُلقي: كرماً، وشجاعة، وإحساناً، ومروءة، وصدقاً، وعدلاً، وأمانة، وحلماً، ورحمة، وعفواً وصفحاً. بالإضافة إلى العلم والفقه والبصيرة، وأية واحدة من هذه السجايا توجب محبة من تحلى بها؛ فكيف بمن اجتمعت فيه على أكمل وجه. قال ـ تعالى ـ: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت