الرابع: كماله الخَلْقي: فقد كان جميلاً، منيراً كالقمر، طيب الرائحة، عرقه كالمسك، معتدل القوام، حسن الشعر، جميل العين، أبيض البشرة؛ فله أوصاف الجمال؛ فمن رآه أحبه -صلى الله عليه وسلم-.
-الشوق إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وعلامات المحبة -صلى الله عليه وسلم- متعددة، هي: الإيمان به، وتوقيره، ونصرته، وطاعته.
ثم إن منها كذلك: الشوق والأُنْس عند ذكره، وتمني رؤيته، والجلوس إليه، ولو كان ذلك لا يحصل إلا بإنفاق كل المال، وما عرف عن الصادقين من المؤمنين إلا مثل هذا الشعور الصادق، وهذه آثارهم:
1 ـ سأل رجل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: «متى الساعة؟
قال: «وما أعددتَ لها؟»
قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله.
فقال: «أنت مع من أحببتَ» .
قال أنس: فما فرحنا بشيء فَرَحَنا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنت مع من أحببت» .
-قال أنس: «فأنا أحب النبيَّ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم» [البخاري، الأدب، باب: علامة الحب في الله دون قول أنس] .
2 ـ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفس محمد بيده! ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني. ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم» [أخرجه مسلم في الفضائل، باب: فضل النظر إليه -صلى الله عليه وسلم-، وتمنيه، 4/1836] .
3 ـ وجاء أن امرأة قُتِلَ أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت:
-«ما فعل رسول الله؟
-قالوا: خيراً، هو بحمد الله كما تحبين.
-فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل» [الروض الأُنُف للسهيلي: 6/25، الشفا: 2/22] .
4 ـ ولما احتُضر بلال ـ رضي الله عنه ـ قالت امرأته: «واحزناه!
-فقال: واطرباه! غداً نلقى الأحبة .. محمداً وحزبه». [سير أعلام النبلاء: 1/359، الشفا: 2/23] .
5 ـ ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنّة ـ رضي الله عنه ـ من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان ـ ولم يكن قد أسلم بعدُ ـ:
- «أنشدك الله! أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك يُضرَب عنقه، وأنك في أهلك؟» .
-فقال: «واللهِ ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وإني جالس في أهلي» .
-فقال أبو سفيان: «ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً» . [السيرة النبوية الصحيحة للعمري: 2/400، سيرة ابن هشام: 3/160، الروض الأنف: 6/166، الشفا: 2/23] .
6 ـ وكان خالد بن معدان لا يأوي إلى فراشه إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله وإلى أصحابه، ويسميهم ويقول: «هم أصلي وفصلي، وإليهم يحنّ قلبي، طال شوقي إليهم، فعجِّل ربِّ قبضي إليك» ، حتى يغلبه النوم. [سير أعلام النبلاء: 4/539، الحلية: 5/210، الشفا: 2/21] .
7 ـ وقد كانت الجمادات فضلاً عن المؤمنين تشتاق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتحبه وكذا البهائم:
-فقد كان ـ عليه السلام ـ يخطب إلى جذع نخلة، فلما صُنِع له المنبر، تحوَّل إليه، فحنّ الجذع، وسمع الناس له صوتاً كصوت العشار، حتى تصدع وانشق، حتى جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوضع يده عليه فسكت، وكثر بكاء الناس لما رأوا به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن هذا بكى لِمَا فقد من الذكر، والذي نفسي بيده! لو لم ألتزمه، لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» ، فأمر به فدُفن تحت المنبر.
-وكان الحسن البصري ـ رحمه الله ـ إذا حدَّث بهذا بكى، وقال: «يا عباد الله! الخشبة تحنّ إلى رسول الله شوقاً إليه بمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» . [بتصرف، وأصله مروي في صحيح البخاري، في المناقب، باب: علامات النبوة قبل الإسلام، 3/1314، انظر: الشفا: 1/304، صحيح الجامع: 2256] .
8 ـ وقد كان الطعام يسبِّح في يده، والشجر والجبل والحجر يسلم عليه. [الشفا:1/306، وأثر التسبيح عند البخاري، في المناقب، باب: علامات النبوة قبل الإسلام، 3/1312، وأثر تسليم الحجر في مسلم، الفضائل، باب: فضل نسب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، 4/1782] .
9 ـ لما قدم عمر ـ رضي الله عنه ـ الشام، سأله المسلمون أن يسأل بلالاً ـ رضي الله عنه ـ يؤذِّن لهم، فسأله، فأذّن يوماً، فلم يُرَ يوم كان أكثر باكياً من يومئذ، ذكراً منهم للنبي -صلى الله عليه وسلم-. [سير أعلام النبلاء: 1/357]
10 ـ عن أُبَيِّ بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال: «كان رسول الله إذا ذهب ربع الليل قام، فقال: أيها الناس! اذكروا الله! اذكروا الله! جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه.
-فقلت: يا رسول الله! إني أُكْثِرُ الصلاةَ عليك؛ فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت.
-قلت: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير.
-قلت: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير.
-قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير.