فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أيها المسلمون: يتساءل الكثير من المسلمين ما هو موقفنا إزاء هذه الأحداث والنوازل والبلايا الواقعة بأرض المسلمين والتي يتجرع غصصها المسلمون ؟
ولبيان شيئ من ذلك أقول:
* لابد للمسلم أولا أن يسأل الله العافية، فما وقع لغيره يمكن أن يصيبه، وليس بين الله و بين أحد من خلقه نسب ولا حسب؛ والأيام دول.
* ولابد ثانيا من تقييد النعم و شكر المنعم وإدراك أسباب المحن وحصول البلايا فتلك سنة ربانية مسطورة في الكتاب موضحة في السنة. فكفران النعم سبب للبوس الخوف والجوع (( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ) (النحل: 112) (( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) ) (القصص: 58)
لا بد من شكر النعم و تعظيم المنعم: (( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) ) ( إبراهيم: 7)
* ومع هذا و ذاك فلابد من اليقين أن الله يمهل لا يهمل ويستدرج الظالم حتى إذا أخذته لم يفلته (( فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) (الأنعام: 44-45) .
والمتأمل في أحوال الأمم يرى كيف كانت نهاية الظلم والطغيان، وفي عاد وفرعون وغيرهم عبرة لمن اعتبر.
* والبلاء سنة قديمة تتجدد ولكن العاقبة للتقوى والغلبة للمتقين (( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ) (الصافات: 173)
أنظروا إلى نموذج الأذى و فتح الأمل للمسلمين في زمن النبوة، و أحد الصحابة يقول: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو متوسد بردة في ظل الكعبة- وقد لقينا من المشركين شدة فقلت (خباب) : يا رسول الله ، ألا تدعو الله لنا، فقعد وهو محمر وجهه فقال: (( لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه و ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله و الذئب على غنمه ) )
* لابد من التضرع للخالق فهو كاشف البلاء و مجيب المضطر إذا دعاه (( فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) ) (الأنعام: 43)
ومع تصاعد هذه البلايا ترى كم من متضرع صاف قدميه رافع يديه، و جل قلبه، دامعة عينه، يسأل الله رفع البلاء عن المسلمين..إنها عبودية الضرّاء يمتحن بها المسلمون في أوقات الأزمات و الشدائد لعلهم يرجعون (( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ) ) ( النمل: 62)
فالله الله في الدعاء يا معاشر المسلمين و لله أخلصوا، و بالإجابة أيقنوا.
و إني لأدعو الله و الأمر ضيق عليّ فما ينفك أن يتفرجا
وربّ فتى ضاقت عليه وجوهه أصاب له في دعوة الله مخرجا
* ومع ذلك كله من النصرة المشروعة للمسلمين تحقيقا لقوله تعالى: (( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ) ) ( الأنفال: 72 ) .
واستجابة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ) ).
على أن النصرة اليوم تجاوزت المسلمين إلى غيرهم، فبات النصراني ينتصر لليهود والعكس وإن كان بينهم من الخلاف ما بينهم. إنها تكتلات وتحالفات المصالح..أفيكون المسلمون أقلّ من غيرهم، ونصرتهم دين و شرع..وظلم إخوانهم ظاهر و مستنكر؟
والنصرة كما تكون مادية بإعانة المحتاج وإغاثة المبتلى، إقالة عثرة المكلوم تكون معنوية بالشعور الإيجابي والتفطن للمخططات وإشاعة الوعي بقضايا المسلمين و فضح مخططات الإعداء ودفعهم عن بلاد المسلمين،كما تكون بصادق الدعاء ومستلزمات الولاء.
* لا بد من مبادرة إيجابية و مخططات واستراتيجيات واعية تنتقل من الآلام إلى الآمال و تتبع الآمال بالأعمال، تتجاوز التلاوم إلى التعاون، و تتعالى على الأنانية و الفرقة لتصل إلى الإيجابية و الوحدة و الاجتماع (( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ) (الأنبياء: 92) .
وتنتشل نفسها من ذل الوهن والهزيمة إلى مراقي العزة والنصر والكرامة.
أجل يا أمة الإسلام، طال الكرى واستبيح الحمى، ووُأِدَ الحياء، وهدمت جدر الفضيلة، وما يقي في القوس من منزع..وأنت أمة الشهداء وفيك سيد الشهداء..أي حياةٍ تستعذب مع هذه البلاء. تاريخك يا أمة الإسلام حافل بالمكرمات و الانتصارات، ودينك و قرآنك يعلم أن الحياة حياتان فانية وباقية، وإن فاتتك واحدة فالآخرة خير وأبقى: (( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ) (آل عمران: 169-170) .
اللّهمّ انصر دينك وعبادك الصالحين، واجعل الدائرة على الكافرين والمنافقين . اللّهمّ اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنّا وسائر بلاد المسلمين . اللّهمّ أنج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، وانصر المجاهدين الصادقين، واحم حوزة الدين . اللّهمّ أصلح ولاة أمرنا وارزقهم البطانة الصالحة . اللّهمّ إنّا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن .
[1] - الفتح 7/ 164 ح 3852 . رواه البخاري، و بوّب له"باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه من المشركين بمكة ."
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وخليله وأمينه - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أمَّا بعد .
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى - وابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون وأذكروا نعم الله عليكم، وما حباكم من الخيرات الوفيرة ، وما وهبكم من العطايا الجزيلة ، وكونوا له من الشاكرين .
أيها المسلمون: إن دينَ الإسلام - ولله الحمد - هو دين الفطرة والسماحة واليسر دينٌ يلبي حاجة الأفراد والمجتمعات ، وينظِّم شؤون الحياة ، الإسلام وسطٌ بين مَنْ يطلقون للنفس العنان لتلهوا وتعبث في الحياة بلا وادع ولا وازع إيماني وبين أولئك الذين يدَْعُون للرهباية وتركِ أسبابِ الحياة بل الأمر كما قال الله تعالى: (( وكذلك جعلنا أمةٌ وسطاً ) ).