قال المفسرون: هذا وعيد شديد للظالمين و تسلية للمظلومين، فليس في إمهال الظالمين وإدرار الأرزاق عليهم ما يدل على حسن حالهم فإن الله يملي لهم و يمهلهم ليزدادوا إثما حتى إذا أخذهم لم يفلتهم (تفسير السعدي) .
إن الرّسول صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن مستيقن بأنّ الله غير غافل عن الظّالمين ولكن ظاهر الأمر يبدوا هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتعون ويسمع بوعيد الله ثم لا يراه واقعا بهم في هذه الحياة الدنيا.. (في ظلال القرآن)
تعالى الله أن يغفل و هو يحاسب على النقير والقطمير، ويحازي على مثقال الذرّة من الحسنات والسيّئات.
وكيف يهمل الله تأوهات المظلومين و فيهم من شرد عن أرضه و حيل بينه و بين أهله.
الأمن مفقود، والطعام يشح، والماء عزيز، والكهرباء تضرب محطّاته و توقف مولداته، الأطفال تئنّ لفقد الحليب وغياب المرضعات، وعزيز القوم يذل، وشيخ المطاردة يخيف، والانتقام والتصفيات يروج سوقها، السجون مَلْأَى، وما لا يخطر ببالك من التعذيب يمارس حتى يموت السجين من شدة البلاء.
يحكم ظلما بالسجن مدى الحياة على شاب سعودي مسلم، و الجريمة المزورة خادمة تحجب وتمنع من الاتصال بالخلان والأصدقاء، وفي الوقت ذاته تبرئ ساحة مطرب أمريكيّ امتلأت بمصائبه وزلاته واغتصابه وكالات وسائل الإعلام المختلفة ؟ وكذلك تلبس الحقائق وتزور القضايا وكان الله في عون المظلومين.
إلى أيّ قانون يحاكم الناس و بأي شرعة تهدر الكرامات و تصدر الأحكام جزافا؟
ممارسات من محتل مختل تصل إلى تدنيس القرآن، وتتعاظم سرقاتها إلى نهب ثروات البلاد، ويصل لؤمها إلى تأجيج الطائفيّة وخرب أهل البلد ببعضهم وإن احتاج الأمر إلى تحنيس من الخارج لممارسة التصفيات فلا مانع..ويصل العبث إلى تقسيم المدنية فضلا عن البلد بأكمله.
جيوش تحتل في وضح النهار و أخرى تعيث في الأرض الفساد..و تتسمّى بمسميات ليس لها من رصيد الواقع شيئ..عاصفة الصحراء..فيلق بدر..ميلشيات المهدي، المغاوير، وما شابه تلك المسميات التي تشترك جميعا في كارثة العراق وتدمير العراقيين، وهل يعقل أو يليق أن تكون حماية المراقد المزعومة على حساب هدم المساجد (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) ) (البقرة: 114) .
أو يكون برهان محبة آل البيت قتل المؤمنين بغير حق ؟ ياله من ظلم وفساد يشترك فيه أطراف عدة، ولكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة.
أي ليل يعيشه أهل العراق وأي فتنة تحيط ببلاد الرافدين..وفي كل يوم تتكشف مأساة؟
ومن أواخر ذلك ما كشفته وسائل الإعلام عن ضلوع الجيش الأمريكي في واقعة المحمودية، فقد ثبت أن جنديا أمريكيا اغتصب طفلة عراقية لا يتجاوز عمرها خمسة عشر عاما ثم أقبل على قتلها وقتل والدتها ووالدها وشقيقتها البالغة من العمر سبع سنوات؟
أي نوع من البشر هؤلاء؟ وأي بلاء أعظم من هذا؟ [1]
إنه غياب للوازع الأخلاقي والإنساني..وفضائح تتكرر لحضارة الرجل الأبيض الذي طالما خدع البسطاء بتصدير الحضارة والحرية والديمقراطية والعدل والمساواة للشرق الأوسط-هكذا زعموا- وتبقى أعمالهم لوحة كاشفة لحقارة حضارتهم.
وفي فلسطين جرح قديم يتجدد، وعدو من نوع آخر لا تحتاج بشاعته لمزيد برهان، ونصف قرن أو تزيد كافية للتدليل على مسلسل العنف والتسلط والقهر والتشريد والإبادة..والجديد هذه الأيام أن جنديا يهوديا يؤسر تقام له الدنيا ولا تقعد ويباشر بسببه وباسمه أنواع الجرائم والاعتداءات، وعلى مرأى العالم و مسمعه..!!
سبحان الله جندي يهودي يثأر له اليهود و من وراءهم..و مئات بل ألوف بل ملايين من المسلمين هنا وهناك تقتل و تشرد وتؤسر و تعذب..ولا ينتصر أحد؟ هل باتت دماء المسلمين وأعراضهم بل وبلادهم من الرخص والاستحقار إلى هذا الحدّ؟ أين ضمير العالم -إن بقي له ضمير- وأين المنظمات والهيئات العالمية إن كان لها من أثر؟
وبكل حال فحين لا يلام الذئب في عدوانه ولا نستغرب عدم نصرة اليهودي والنصارى للمسلم..فأين نصرة المسلمين لإخوانهم؟
أيليق أن يشغل المسلمون بتصفيات كأس العالم..و يلهون أو يلتهون بالفن الرخيص..ودماء إخوانهم تسيل، والجرفات تدمر، والجنود المارقون يغتصبون النساء العفيفات ويقتلون الأطفال ويأسرون الرجال؟
الخطر كبير والمأساة عظيمة، والليل دامس الظلمة، والصبح يعز عليه أن ينفلق إلا على جريمة هنا ومأساة هناك..وكان الله في عون المظلومين..ويا لها من أصوات بحت تلك التي تصدر الأنين والحنين..لكن الله يا صاحبات الحذور..ولكم الله يا مساكين الرافدين وفلسطين..وآمن الله وحشتكم يا أصحاب الزنازين ومصابنا عظيم في مساجد تهدم..ورؤوس تحصد، وبلاد تدمر..والعزاء الأكبر (( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) ) ( إبراهيم: 42)
(( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) ( العنكبوت: 23)
وإذا كانت غزة اليوم تقاوم الغزاة وتجود بالشهداء فهي وحدها لا تكفي لصدِّ العدوان، وإذا كانت المقاومة العراقية الصامدة تقاوم المحتلّ، وإذا كان المجلس الدولي لحقوق الإنسان يدين العدوان، فماذا فعل المسلمون؟
يا أمة الإسلام: وأمام صلف المحتل الصهيوني في فلسطين والاحتلال الأجنبيّ والانتهاكات الصارخة في العراق وغيرها- لا بد من وقفة صادقة نحاسب أنفسنا وننظر في المخططات بعيدة الأغوار و المدى لأعدائنا..فالمخطط كبير والصلف لا ينتهي عند حد، والمطامع إذا لم تردع سار بها قطار البغي متجاوزا الحدود.
لقد آن الأوان للأمة المسلمة أن تجتمع على نصرة المستضعفين، وأن تعلن مدافعتها عن بلاد المسلمين..نحتاج إلى مبادرات صادقة من الشعوب المسلمة. فمرتب أو دخل يوم من الشهر أقل ما ينبغي أن يعلن و تبادر له الشعوب المسلمة نصرة للمظلومين والمستضعفين في فلسطين والعراق، وعقد مؤتمرات وملتقيات عالمية وإقليمية تكشف الحقيقة وتتنادى لرفع الظلم ووضع حد حصار عن شعوبنا المسلمة..آن الأوان له ومن كافة الهيئات والمنظمات الإسلامية والعالمية.
ورسالة الإعلام ينبغي أن تكون واضحة في كشف المرامرة..وواجب الإعلاميين و المفكّرين لا يقل عن واجب الموسرين..فهؤلاء بأقلامهم وفكرهم و أولئك بأموالهم و دعمهم.
نحن أمة العدل والخير والجهاد..بكل ما تحمله كلمة الجهاد من معان خيرة.. فالجهاد ذروة سنام الإسلام، و ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلّا ذلّوا. وآيات الكتاب الحكيم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ومصنفات العلماء..ملاء بالحديث عن الجهاد وطرقه وأساليبه لنجاهد بألسنتنا وأموالنا وأنفسنا -هكذا أوصى الحبيب صلى الله عليه وسلم .
يا أمة الإسلام: وإياكم و داء الوهن و الاحباط، ومهما أصابكم أو أصاب أمتكم من بلايا..فالنصر قادم بإذن الله، والغلبة للحقّ، والعاقبة للتقوى و للمتقين ذلك وعد غير مكذوب..لكن التمحيص والبلاء وسنة الله جارية في الأولين والآخرين (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) ) ( البقرة: 214) .
الخطبة الثانية