فهرس الكتاب

الصفحة 8146 من 9994

ومن ذلك اجتناب الشبهات خشية الوقوع في الحرام قال النبي خلى الله علي مسلم: (( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ) [5] .

اللهم إنا نسألك أن تصلح قلوبنا وأعمالنا وأن تجعل رزقنا طيبا وعملا متقبلا.

[1] رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح (انظر تصحيح الألباني ج2 سنن ابن ماجة.

[2] رواه مسلم رحمه الله ص1228.

[3] رواه مسلم.

[4] رواه مسلم.

[5] رواه البخاري ومسلم عليهما رحمة لله.

الحمد لله الذي أمر بقول المعروف وفعل الخير وعمل الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل الحسنات مذهبةً للسيئات،وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بين أن عمل المعروف يعتبر من سائر الصدقات صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ذوي المكارم والمروءات، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما . أما بعد

فيا أيها المسلمون اتقوا الله تعالى وافعلوا الخير لعلكم تفلحون .

معشر المسلمين: حديثي إليكم عن فضل المعروف ومجالاته المتنوعة .

أيها المسلمون: لقد وصف الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بأنهم يأمرون بالمعروف، بينما وصف المنافقين والمنافقات بأنهم ينهون عن المعروف . والمعروف اسم جامع لكل خير من عمل رشيد أو قول سديد .

أيها المسلمون: لقد أمر الله تعالى أن تكون معاشرة الزوجة بالمعروف قال تعالى مخاطباً الأزواج: (( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ) (النساء: 19) .

والمعاشرة بالمعروف تكون بطيب المقالة وحسن المعاملة فإن ذلك أهدأُ للنفس وأهنأُ للعيش .

وأمر سبحانه أن يكون الإمساك بمعروف والمفارقة بمعروف قال تعالى: (( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) ) (الطلاق: 2) .

قال ابن كثير رحمه الله: إذا بلغت المعتدات أجلهن أي شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك ولكن لم تفرغ العدة الكلية فحينئذ إما أن يعزم الزوج على إمساكها وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه والاستمرار بها على ما كانت عليه (بمعروف) أي محسنا إليها في صحبتها ، وإما أن يعزم على مفارقتها

(بمعروف) أي من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف بل يطلقها على وجهٍ جميل وسبيل حسن [1] .

جاء في الحديث: (( صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب ) ) [2] رواه الطبراني وغيره .

وفي رواية للترمذي: (( إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء ) ) [3]

وصنائع المعروف هي الإحسان إلى عباد الله بعمل المعروف من قرض حسن أو بر أو هدية أو صدقة أو إعانة على قضاء حاجة من شفاعة أو تحمل دين أو بعضه أو غير ذلك من سبل الإحسان قال تعالى: (( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاّ الإِحْسَانُ ) ) (الرحمن: 60) . فأحسنوا أيها المسلمون ولا تحقروا من المعروف شيئا (( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ) (التوبة: 120) .

قال معاوية رضي الله عنه يحث ابنه على عمل المعروف: يابني اتخذ المعروف منالاً عند ذوي الأحساب تشتمل به مودتهم وتعظم في أعينهم وتكف به عاديتهم ، وإياك والمنع فإنه ضد المعروف [4]

وقد قيل:

ولم أر كالمعروف أما مذاقه فحلو وأما وجهه فجميل .

وقيل:

إن صاحب المعروف لا يقع فإذا وقع أصاب متكئاً .

وقال العباس رضي الله عنه: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: بتعجيله وتصغيره وستره .

وليحذر المسلم من المن والأذى قال تعالى: (( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ) ) ( البقرة: 263) .

سمع ابن سيرين رحمه الله رجلا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت ، فقال له: اسكت فلا خير في المعروف إذا أحصي .

فالامتنان بالمعروف يبطل الشكر ويمحق الأجر .

أيها المسلمون: ومجالات المعروف كثيرة منها التنفيس عن المؤمنين المكروبين والتيسير على المعسرين وقضاء حوائج المحتاجين .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ) )رواه مسلم [5] .

وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ ) )رواه مسلم [6]

أيها المسلمون: ومن أعمال المعروف: السلام على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين وكذلك رد السلام، وتشميت العاطس ، وعيادة المريض وتعزية المصاب ، والتزاور في الله، والنصح لكل مسلم، وإرشاد الضال وتعليم الجاهل ، والدلالة على الخير، والتفسح في المجالس ، وإفساح الطريق ليفوت أخوك بسيارته، والكلمة الطيبة، وكفالة اليتيم ، والسعي على الأرملة والمسكين، وقضاء الدين عن المدين، والستر على المسلم والذب عن عرضه وإقالة عثرته وإدخال السرور عليه وإذهاب همه وغمه، وصلة الرحم، والعدل بين الاثنين المتشاحنين، وإعانة العاجز والأخرق، وإسعاف المنقطع ، وإعانة المحتاج ، وتبسمك في وجه أمك وأبيك وأختك وأخيك وزوجتك وقرابتك وجارك وصاحبك .

أيها المسلمون: كل هذه الأعمال وما هو أكثر منها أو أقل تعتبر من المعروف وهي من الصدقات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( كل معروف صدقة ) )أخرجه البخاري ومسلم عن حذيفة وجابر رضي الله عنهما [7] .

وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ) )رواه مسلم [8] .

أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من أهل المعروف في الدنيا والآخرة .

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وأحسنوا إن الله يحب المحسنين واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون .

معشر المسلمين: من صُنع إليه معروفا فليكن من المكافئين الشاكرين .

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ ) )رواه أبو داود [9]

أي إذا كان الإنسان يكفر المعروف ولا يشكر الإحسان فإنه لا يكون شاكرا لله وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ) )رواه أبو داود [10] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ ) )رواه الترمذي [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت