-وهذا من أهمها ، وقد سبقت الإشارة إليه: لا بُدَّ من إنشاءِ المدارس الثابتة هناك ، فإنَّهُ قد تبينَ من خلالِ التجربةِ أن تربية الأطفال مهمةً جداً ، لقد نشأت الشيوعية جيلاً من المسلمين على الإلحاد ، فيجبُ أن نقابل ذلك بإنشاءِ المدارس لنربي هؤلاءِ الصغار على الإسلام مرةً أخرى ، وهذا لا يُمكن أن يقام به من خلال مدارسهم هناك، لأنَّها لا تزالُ مدارس علمانيةً بعيدةً عن الدين ، إنَّ المسجد مهمٌ جداً ، لأنَّه عنوان الإسلام هناك، وفيه تقام الصلاة التي هي عمود الدين ، والمدرسة ضرورية أيضاً ؛ لأنَّها ذات أثرٍ عميق وكبير ، وتأثيرها على المدى البعيد ، فلا بدَّ أن نحرص جميعاً، وأن تحرص الجمعيات الخيرية وغيرها على إنشاءِ المدارس هناك ، وتوفيرِ الدعاة والمدرسين الثقات، الذين يقومون بتربيةِ النشءِ في هذه البلاد على الإسلام . لو وجدت مدرسةً واحدةً في كل بلد ، فستكون بمثابةِ جامعة؛ لأنَّها تؤثر تأثيراً كبيراً على مستوى البلد من أولهِ إلى أخره ؛ لأنَّها تبدأ بتربية الصغار ، تربيهم وتنشئهم على فهم العقيدة الصحيحة ، وفي المستقبل القريب - إنشاء الله - سوف تتحولُ هذه البلاد ، ويتحول هؤلاءِ الشباب إلى أناسٍ يحملون راية التوحيد، ويُصبحون دعاةً إلى الله سُبحانه وتعالى لبني جنسهم ولغيرهم.
-بالنسبة لتجار المسلمين ، يجبُ أن يستغلوا الحريات وحاجة المسلمين هناك ، حيث إنَّ هناك فرصاً كبيرةً جداً، لإنشاءِ المشاريع الناجحة اقتصادياً وبعد ذلك إسلامياً ، ومن المؤسفِ حقاً أن الغرب سبقنا بوسائلهِ التنصيرية إلى هناك ، والشركات الغربية تأتي إلى هناك، وتعمل عملها اقتصادياً فتستفيد ثم تعمل عملها تنصيرياً ، فهل يعي ذلك تجار المسلمون ؟ نرجو ذلك ، ونرجو أن تكون أمورهم مهيأةً لذلك .
-ومن المُهم الاهتمام بالمشاريع الإسلامية هناك خاصة، مع رخص الأسعار ، وذلك بإنشاءِ المجلات الإسلامية ، مع العلم أننا لم نجد هناك مجلةً إسلامية ، فكيف لو قامَ المتخصصون الإعلاميون مع التجار بإنشاءِ مجلةٍ أو جريدةٍ تتحدث عن الإسلام بلغتهم ، لا شك أنَّهُ سيكون لها تأثير عظيم في الدعوةِ إلى الله سبحانه وتعالى، ومثلها الإذاعة ، وغيرها .
-شراء الأراضي وتحويلها إلى أوقاف إسلامية، ومثلها المحلات التجارية وغيرها، فإنَّ هناك وسائلَ متعددةً لمن أراد أن يقوم بالدور المطلوب منه لخدمة المسلمين هناك.
-وأخيراً أقول: لابدَّ لكل مسلمٍ مطلع أن يشرح أحوال المسلمين لمن يلتقي به من إخوانه في الله، وأن يُبصرهم بأحوال المسلمين في كل مكان، سواءً كان في الجمهوريات الإسلامية فيما كان يسمى بالإتحاد السوفيتي سابقاً ، أو في غيرها من بلاد المسلمين ، لأنَّ هذا واجبٌ علينا جميعاً ، والمؤمنُ للمؤمن كالجسدِ الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى . أسألُ الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن نطق بالحق وقال به ، كما أسألهُ سبحانه وتعالى أن يوفقني وإيَّاكم إلى الخير والهدى، وأن يثبتني وإيَّاكم ، كما أسألهُ سُبحانه وتعالى أن ينصر المسلمين في الجمهوريات الإسلامية، فيما كان يُسمى بالاتحاد السوفيتي وفي غيرها من بلاد المسلمين ، اللهمَّ انصر المسلمين والمجاهدين في سبيلك في كل مكان ، اللهم فكَّ أسرهم ، وارحم ضعيفهم ، واجبر كسرهم ، اللهمَّ وفق المسلمين جميعاً لرفع راية الإسلام
الصفحة 1 لـ 2
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) (الحج:1)
(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج:2)
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * ) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) هذه الآيات مفتتح سورة الحج، والحج رحلة إلى الله تعالى، يرحلها العباد مستجيبين لنداء العبودية للواحد القهار ، (( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ) (البقرة: من الآية196 ) ) . وإذا كانت الصلاة والزكاة والصيام عبادة، فإن الحج يتميز عنها بأنه عبادة يغادر من أجلها العبد البلاد، والأولاد والأحباب، والضيعات
والأموال، ويقطع المسافات الشاسعة التي قد تمتد آلاف الأميال، (( وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (النحل:7)
إن الحج رحلة وهجرة إلى الله تعالى، وتجرد الحاج من المخيط، ووقوف الألوف في عرفات محرمين بأرديتهم البيض من أعظم من يذكر العباد بيوم القيامة، والخروج من هذه الدنيا، ثم الوقوف بين يدين الله تعالى للحساب والجزاء.
وهذا هو المعنى الذي يربط بين افتتاح سورة الحج بالأمر بتقوى الله تعالى، وتذكر زلزلة الساعة العظيمة، وبن معنى من معاني الحج الكبار، كان يدركه سلفنا الصالح، أما نحن اليوم فقد صار حج كثير منا نزهة قصيرة نطارد من خلالها الزمن لنعود إلى ما كنا عليه من لهو وغفلة- ولا حول ولا قوة إلا بالله-.
حج بالناس عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- سنة ثلاث وعشرين، قبيل استشهاده بأيام، وكان شغله الشاغل في حجه البحث عن رجل من رعيته من التابعين يريد مقابلته.
وصعد عمر جبل أبا قبيس وأطل على الحجيج، ونادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أويس من مراد؟
فقام شيخ طويل اللحية من قرن، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لي يقال له: أويس، فأنا عمه، وهو حقير بين أظهرنا، خامل الذكر، وأقل مالا، وأوهن أمرأ من أن يرفع إليك ذكره.
فسكت عمر- كأنه لا يريده- ثم قال: يا شيخ وأين ابن أخيك هذا الذي تزعم؟
أهو معنا بالحرم؟ قال الشيخ: نعم يا أمير المؤمنين، هو معنا في الحرم، غير أنه في أراك عرفة يرعى إبلا لنا.