فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأما الأمر الثاني: فإنَّ ثياب الإحرام التي يشترك في لبسها الحجاج كلهم , كبيرهم وصغيرهم , أميرهم ووضعهم , جديرة بأن تذكرك ذلك التماثل الدقيق , الذي تشترك فيه تلك الجموع الهائلة , المحتشدة في أرض المحشر العظيمة, ولئن كان الحجاج يشتركون في لبس ثيابٍ بيضاء متشابهة , فإن مبدأ التميز يظل موجوداً بصورة أو بأخرى , إما بمسكن يسكنونه , أو مركب يستقلونه , أو حاشية تحيط بهم من كل جانب , إلا أنه في اليوم الآخر , تسقط الهالات الكاذبة , وتتبخر النياشين الزائفة , وتتهاوى العروش المصطبغة, فلم تعد تميز بين أعظم ملكٍ ملكَ الأرض , وبين أفقر عبد وضيع خالي اليدين , وأنَّى لك أن تميز بين حفاة عراة غرلا , تصطك أسنانهم هلعاً ورعباً , من هول ذلك الموقف الرهيب , (( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) ).
أيها الأخوة المسلمون: إذا لم يحقق الحج في نفس الحاج وضميره تقوى تردعه عن كل منكر , ووازعاً يزجره عن كل فجور , وإيماناً يأمره بكل فضيلة , وشعوراً يلازمه ويذكره بالدار الآخرة , فحجه ميت سقيم .
لقد غفلت جموع من الحجيج عن مقاصد الحج, وأهدافه وحكمه, وغاب عن أذهانهم حديث النبي r: « من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه » [1] , رجع بصفحة بيضاء نقية , قد مسحت ذنوبه وسيئاته .
إن على الحاج أن يتذكر هذا الحديث الشريف, كلما حدثته نفسه بمعصية, أو خطيئة من نظرة إلى حرام, أو مواقعة لمنكر , أو حاول أحد أن يستدرجه إلى مجلس غيبة أو نميمة , أو عنا له أن يطلق للسانه العنان, فيسب ويشتم ويلعن.
لقد أساء كثيراً من الحجاج فهم تلك المعاني السامية , التي من أجلها شُرع الحج , وظنوا أن الحج حلبةُ صراعٍ ضخمة , البقاءُ فيها للأقوى , فلا يرحمون امرأةً ضعيفة , ولا شيخاً كبيراً , وأصبح همُ كثيرٍ منهم, إنهاء أعمال الحج بأسرع وقتٍ , وبأي طريقةٍ .
لذا لا عجب حين يعود الحاج إلى بلده , دون أن يطرأ في إيمانه أي تغير يذكر, فيظل يمارس بعد الحج ما كان يمارسه قبله , من غيبة ونميمة , وكذب ودجل, وخداعٍ وظلم وبغي , وإقرار للمنكر في نفسه, وفي بيته ومجتمعه ,
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ) ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...
الخطبة الثانية:
أما بعد:
فلا زلنا في هذه الأيام العشر المباركات, عشر ذي الحجة التي قال عنها النبي r: « ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام , قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء » [2] .
ومن أفضل الأعمال في هذه العشر , الحج والعمرة لقوله عليه الصلاة والسلام: « العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما , والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة » [3]
ومن الأعمال الصالحة في هذه العشر, صيامُها , أو صيام ما يتيسر منها
ومن ذلك التكبير, والذكر في هذه الأيام, لقوله تعالى: (( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات ) )وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران, ويكبر الناس لتكبيرهما, وصفة التكبير: « الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله . الله أكبر الله أكبر ولله الحمد » , ويستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق والدور والطرقات , ويشرع التكبير المطلق, في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى صلاة العيد .
ويشرع التكبير المقيد, وهو الذي يكون بعد الصلوات المكتوبة, التي تصلى في جماعة, وهو لغير الحاج من فجر يوم عرفة , وللحجاج من ظهر يوم النحر ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق .
ومن الأعمال الصالحة في هذه العشر, كثرةُ الصلاة والصدقةِ, والصلةِ والاستغفار, والتوبة النصوح , وقراءة القرآن, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ويتأكد صيامُ يومِ عرفة لغير الحاج, كما في صحيح مسلم أنَّهُ يكفرُ السنة الماضية والباقية, وتُشرعُ الأضحيةُ يومَ النحرِ, وأيامَ التشريق بعده , فقد ضحى النبي r « بكبشين أملحين ذَبَحهما بيده , وسمى وكبر, ووضع رجلَه على صفائحهما » [4]
والسنة الذبحُ بعد الصلاة, لما في الصحيحين عن البراء أن النبي r قال: « من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين » [5] .
وعليه أن يختار الأضحيةَ الطيبةَ, السليمةَ من العيوب, وفي الحديث: « أربعٌ لا تجوز في الأضاحي, العوراءُ البينُ عورُها, والمريضةُ البينُ مرضها, والعرجاء البينُ ظَلْعها, والعجفاء التي لا تنقي » [6] والعجفاء هي الهزيلة .
ولصاحب الأضحية أن يتولى ذبحها بنفسه, وهذه هي السنة فإن وكّل مسلماً جاز له ذلك, ولكن يستحب أن يحضر ذبحها, ويجب التسمية عند الذبح, وإن كبر وقال اللهم هذا منك ولك فحسن, ولا يعطي الجزار أجرته من الأضحية, فإن أهدى له منها, أو تصدق عليه جاز ذلك .
وتقسمُ الأضحية أثلاثاً , ثلثٌ يتصدق به , وثلثٌ يُهديه , وثلثٌ يأكلُه أهلُ بيته, ومن أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره, وأظفاره, إذا دخلت العشر , حتى يذبح الأضحية, إلاَّ شعر اللحية فمحرم أخذه دائماً, وهذا النهي يخص صاحب الأضحية فقط, وأما أهل بيته فلا , إلا إن أراد أحدهم أن يضحي عن نفسه .
اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين,
1 -رواه البخاري ( 1449) من حديث أبي هريرة t .
2 -أخرجه البخاري ( 969) من حديث ابن عباس t .
3 -رواه البخاري ( 1773) ومسلم (1349) من حديث أبي هريرةt .
4 -رواه البخاري (5558) من حديث أنس t .
5 -ورقمه في البخاري (5545) .
6 -رواه أبو داود (2808) من حديث البراء بن عازب t .
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله, نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ ونتوبُ إليه, ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا, وسيئاتِ أعمالنا, من يهدي اللهُ فلا مُضلَّ له, ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ ألا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له, وأشهدُ أن محمداً عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم وسلم تسليماً كثيراً .