فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عباد الله: اتقوا الله, فهي وصيةُ الله إليكم, وهي خيرُ لباسٍ في الدنيا, وخيرُ زادٍ إلى الآخرة. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (الحشر:18) ، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب: من الآية71,70) .
أيَّها المؤمنون: إنَّ جميعَ الرسل- عليهم صلواتُ الله وسلامهُ- وكلَّ الكتبَ التي أُنزلها عليهم, إنَّما جاءت لدعوةِ الخلقِ لعبادة اللهِ تعالى وحدهُ لا شريك له: (( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) ) (لأعراف: من الآية65) , وما برأ اللهُُ الثقلين إلاَّ لعبادته, (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) (الذريات:56) ولقد جعلَ اللهُ العبُوديةَ وصفاً لأكملِ خلقه, وأحبهم إليه، وأقربهم منه، وهمُ الأنبياءُ المرسلون, والملائكةُ المُقربون: (( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ) ) (النساء:172) , ولما سألَ جبريلُ محمداً عليه الصلاة والسلام عن الإحسان, وهو أعلى مراتبُ العبوديةِ قال: ( أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك ) .
يكونُ ابن آدمَ في أعلى درجاتِِ الإنسانيةِ, وأسمى مراتبِ الشرفِ, وأسمى درجاتِ الكمال,بقدرِ ما يُحققُ من العبودية, يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية:"كمالُ المخلُوق في تحقيقِ عبوديتهِ لله تعالى ، وكلَّما ازداد العبدُ تحقيقاً للعبوديةِ, ازداد كمالهُ وعلت درجتُه,"فما حقيقةُ العبودية ؟ وكيف يرتقي المسلمُ في معارجها ؟ كيف يعرفُ المسلمُ من نفسه كمالها ونُقصها ؟ أهي مظاهرُ الاستقامةِ التي قد يُفرضَها المجتمعُ على أبنائه ؟! أم هي رسومُ العباداتِ التي قد تتحولُ مع خواءِ القلبِ إلى عاداتٍ ووظائفٍ يومية, تُفرغُها الغفلةُ من مضامينها ؟! أيَّها المؤمنون: إذا كانت العبوديةُ لله, هي غايةُ الخُلقِ, وسرَّ وجودهم, فإنَّ أيةَ خللٍ فيها يعني خللاً في الإنسانِ ذاته، وانحرافاً في مسيرتهِ، بل إنَّ الخللَ في العبوديةِ, يعني في الوجود الإنساني بأسره, فعبادةُ اللهِ جلَّ وعلا هي المنهجُ الذي يحفظُ لهذا الكونِ انتظامهُ, وسيرهُ دُونما تخبطٍ في أيِّ ناحيةٍ من نواحي الحياةِ، وأيِّ انحرافٍ عن العبادةِ الحقه أو نُقصٍ فيها, يعني أنَّ الحياةَ ستميلُ إلى الفسادِ العريض, في كل مجالاتها الاجتماعيةِ والاقتصادية, والسياسيةِ والفنية وغيرها, وما هذا الانحطاطُ الأخلاقي التي تُعانيه البشريةُ ،ومَا ذلك الظلمُ الذي تُقاسيهِ الإنسانيةُ، إلاَّ بسبب اختلالِ العبادةِ في قلوبِ البشر. بل إنَّ المُشكلاتِ التي تُعانيها أنت أيَّها المسلمُ في حياتك الزوجيةَ أو الوظيفية, ما هذا الرهَقُ والنزقُ, والضيقُ والتبرمُ المتفَشي في الناس, إلا بسببِ خللٍ أصابَ العبادةَ, تراهم يُحبون أولادهم ويكونُ شقاؤهم بهم، وتراهم يُحبون أزواجهم, ثمَّ تكونُ تعاستهم معهم, وترى الإنسانُ يجمعُ المالَ, والمالُ هو الذي يُشقيه ويَضنيه، وتراه يعشقُ المناصبَ, وفيها يكون عنته، ذلك أنَّ من أحبَّ شيئاً دون اللهِ عُذب به, وأكثرُ الناسِ لا يفطنون إلى نقصِ العبوديةِ وضعفها في حياتهم, إذ أنَّهم بزعمهم يُصلون مع المصلين، ويصومُون مع الصائمين، ويرحلون مع الحجاج ويؤبون معهم. إنَّهم لا يدرون أنَّ شقاءهم أتاهم من نقصِ عبوديةِ القُلوب, من جفافها وقُسوَتها, وإذا أعرضتِ القلوبُ عن العبادةِ, فما عبادةُ الجوارح بمغنيةٍ عن صاحبها شيئاً, حتى وإن لبسَ مُسوحِ الصالحين .
أيَّها المؤمنون: لنعُودُ إلى الغايةِ التي خُلقنا من أجلها, ولنفُكَ قلوبنا من شقاءِ الدنيا ومُشكلاتها، لنتخلصَ من لأواءِ الحياةِ وضغوطَها، دعونا نفقهُ عن ربنا حقيقةَ العبادة التي أرادها منَّا فلقد قالَ عز وجل: (( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ) ) (الحج:37) .
ويقولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم: (( من لم يدع قول الزورِ والعملَ به فليس لله حاجةً من أن يدعَ طعامه وشرابه ) ).
وقال عز وجل: (( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) )والآيةُ هنا تُقّر الصلاة المطلوبة, فهي التي تصونُ صاحبها من الانحراف. فحقيقةُ السعادةِ التي يطلبُها الناسُ في دنياهم وأُخراهم لا تُنالُ بما تُمارسهُ الجوارحُ من أشكالِ العبادة, وإنَّما تُنالُ بما يقومُ في القلبِ من أعمالٍ كالإخباتِ، والتذللِ ، والخضوع والحبِ لله، والأُنسُ به، والخوفُ منه، والانكسارُ له، فشرودُ القلبِ في مواطنِ العبادةِ من أعظمِ المصائبِ التي تصيبُ الإنسان في حياته, وذلك أنَّ العبادةَ التي تؤديها جوارحهُ ولا تقومُ في قلبه, لا تتركُ الأثرَ المطلوب على نفسه, فلا يحصلُ بها أجرٌ, ولا يتحققُ أنسٌ وطمأنينة, ولا راحةٌ, يقولُ صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الرجل لينصرفُ من صلاتهِ وما كُتبَ لهُ إلا عُشرَ صلاته ، تسعُها ، ثُمنها ، سُبعها ، سُدسها ، خمُسها ، رُبعها ، ثُلثها ، نصفُها ) )وإذا استمرَّ القلبُ في الشرودِ في ثنايا العبادةِ, تحولت إلى حركاتٍ ظاهرةٍ, وشكلياتٍ يعتادُها, ليس لها تأثيرٌ على سلوكهِ, ولا ظلَّ على أقواله, وأفعاله, وذلك تفسيرُ ما تراهُ من مخالفاتٍ، وجرأةٍ على المعاصي، وبذاءةٍ في الأقوالِ، ونزوعٍ إلى الشهوات، وطمعٍ في الدنيا من أُناسٍ هم من روادِ المساجد الراكعين الساجدين, بل ذلك علة ما نعيشُ من مشكلاتٍ في بيوتنا, مع أننا نرى أنفسنا قد أدَّ نيا ما علينا من العبادات. واستمع إلى السلفِ الصالح, وهم يُعلمون أمتهم معنى العُبوديةَ الحقيقية, يقولُ ابن جرير:"معنى العبادةِ: الخضوعُ لله بالطاعةِ, والتذللُ لهُ بالاستكانة,"وقال القاضي أبو يعلى:"حقيقةُ العبادةِ هي: الأفعالُ الواقعةُ للهِ عز وجل على نهايةِ ما يُمكنُ من التذللِ والخضوع,"ويقولُ ابن تيميةَ- عليه رحمةُ الله - العبادةُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُهُ اللهُ ويرضاه, من الأقوالِ والأعمالِ الباطنةِ والظاهرة, فالصلاةُ والزكاةُ والصيامُ, والحجُ وصدقُ الحديثِ, وأداءُ الأمانةِ وبرُ الوالدين, وصلةُ الأرحام، والوفاءُ بالعهودِ، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهادُ للكفارِ والمنافقين, والإحسانُ إلى الجارِ واليتيم والمسكينِ, وابن السبيلِ والمملوكُ من الآدميين والبهائم, والدعاءُ والذكرُ والقراءةُ, وأمثالُ ذلك من العبادةِ, وكذلك حبُّ اللهِ ورسُولُه، وخشيةُ اللهِ والإنابةَ إليه, وإخلاصُ الدين له, والصبرُ لحُكمهِ، والشكرُ لنعمه, والرضا بقضائهِ, والتوكلُ عليه, والرجاءُ لرحمتهِ, وخوفهُ لعذابهِ, وأمثالُ ذلك هي من العبادة .