فهرس الكتاب

الصفحة 8026 من 9994

ومن خلال التوجيه في الاجتماعات العائلية وكم من داعية وناصحة أثرت في محيط أسرتها وأهلها أكثر من تأثير كثير من الرجال ، كيف لا وقدوتها عائشة وفاطمة وسمية ، فحين يزرعن في القلوب العواطف الإيمانية الحانية فلا تسأل بعد ذلك عن حسن النتاج وطيب الثمار لأن الإخلاص أساسه والغيرة سناؤه والقول الحسن وعاؤه وإناؤه ، فمزيداً من الخير والدعوة من بنات المسلمين الصالحات التقيات ، واتقوا الله عباد الله وقوموا على أنفسكم وأهلكم وأُعمروا أوقاتكم واعلموا أنه لا تزولا قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما وضعه ، وعن علمه ماذا عمل فيه [1] .

أصلح الله للجميع النيات وبارك في النساء والذريات ووفقنا لاستغلال الباقيات الصالحات .

[1] أخرجه الدارمي في سننه برقم (539) ، وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير برقم (11177) ، وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم (7300) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..

إخوةَّ الإسلام: (المبادرة) لفظٌ جميل، ومعنى عظيم توحي بالجديةَّ ، وتشعر بالعزيمة، وتنبيءُ عن علوّ الهمة والمتأملُ في كتاب اللهِ وفي السُّنة النبوية يجد (المبادرة) أو ما يماثلها وتقاربها من الألفاظ (كالمسارعة، والمسابقة) كثيرةً، ولكن (المسارعة) في القرآن أكثر و (المبادرة) في الحديث أكثر، أما (المسابقة) فقد وردت فيهما على السواء ( نظرة النعيم 8 / 3388 ) .

وأهل اللغةِ يقولون: المسارعة إلى الشيء المبادرة إليه ( لسان العرب 8 / 151 ) .

وقد تجتمع لفظةُ (المسارعة) و (المسابقة) في آيةٍ واحدة ويوصف بذلك أصحاب الإيمان والخشية كما في قوله تعالى: (( أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) ) (المؤمنون:61) .

فما الفرقُ هنا بين المسارعة والمسابقة ؟

قال المفسرون: يسارعون أي يسابقون مَنْ سابقهم إليها ، ومعنى: (سابقون) السبقُّ إلى أوقاتِها، وكلَّ من تقدم في شيء فهو سابقُ إليه (تفسير القرطبي 12: 133) (نظرة النعيم 8:3394) .

أيها المسلمون: المبادرة والمسارعة إلى الخيرات أمرٌ دعى إليه القرآن، وحثَّ عليه الإسلام قال تعالى: (( فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ) ) (البقرة:148) . (( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) ) (آل عمران: 133) .

وفي ذلك حثٌ واستعجال على جميع الطاعات (القرطبي 4 / 203)

وقال عليه الصلاة والسلام: (( بادروا بالأعمال ) ), (( والتؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة ) ) [1] .

فكيف حالُنا مع المبادرة ؟ وكيف كان حالُ أسلافنا ؟

لماذا يعترينا الضعفٌ أحياناً في المبادرة ؟ وما هي الأمورُ المعينةُ على المبادرة ؟

لقد شهد تاريخُنا المجيد ألواناً من المبادرات الخيّرة ودلل أسلافنا على أنهم أهلُ مبادراتٍ ومسارعةِ إلى الخيرات

وهذا محمدٌ صلى الله عليه وسلم صاحبُ المبادرات وإمامُ المسارعين للخيرات .. ومن يقرأُ سيرتَه يقف على الكثير من المبادرات لم يتوقف عنها في العهد المكي مع شدة وطأة الكفار وألوان المطاردة والحصار .. وها هو يدعو الخلق إلى الإسلام وهو محصورٌ في الشَّعب .. ويفتح الفرص لأصحابه للدعوة حتى ولو كان خارج إطارِ مكة .. والهجرتان إلى الحبشة نماذجُ عالية للمبادرة والدعوة .. أما دعوتُه العربَ صلى الله عليه وسلم في المواسم .. ثم ذهابه إلى الطائف لدعوة ثقيف فكلُّ ذلك أدلةٌ واضحة على قيمة المبادرة ) في السيرة ثم كانت الهجرة للمدينة وما استتبعها من جهادٍ ودعوة مرحلةً متميزةً في المبادرات النبوية .

أجل لقد بادر وحيَّد اليهود بمعاهداتٍ شرقوا بها حتى نقضوها .. وبادر إلى بعث البعوث التعليمية والدعوية في المدينة وما جاورها ، ومهما نزل بالمسلمين من مصائب وابتلاءات لهذه البعوث والمعارك فقد أدت هذه المبادراتُ دورَها وطار صيتُ الإسلام في أرض العرب كلَّها .. بل تجاوزت مبادراتُ الرسول صلى الله عليه وسلم أرض العربِ لتصل إلى أرض الروم وفارس يوم أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم الرُسل وكتب الكتب لملوك الأرض يدعوهم إلى الله ويشرحُ لهم الإسلام ولم ينس قريشاً إذ بادرها بالحديبية، وفتح مكة ودخل الناسُ في دين الله أفواجاً .

وفي فترة وجيزة من الزمن تغيرت الحياة في الجزيرة .. وبدأ العدُّ التنازلي للأمم المسيطرةِ حينها .. ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرسل سرية (مؤتة) إلى أرض الروم .. وبلغت دعوته كِسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وهرقل .. ومن يدينُ بدينهم أو يتبعُ لسلطانِهم .. ثم كان صحابته رضوان الله عليه من بعده (مسارعين ومبادرين ) وكان حركة الفتح الإسلامي وأعدادُ الداخلين في الإسلام شاهداً حياً على هذه المبادرة .

وهكذا استمر المسلمون بعدهم يدعون ويُعلمون ويُسيَّرون الجيوش حتى بلغ الإسلامُ شأوا بعيداً ، ودخل العربُ والعجمُ في دين الله أفواجاً .

إن المتأمل في مبادرات المسلمين يرى أنها لم تكن قصراً على القادة بل شملت القاعدة ، ولم تكن خاصةً بالكبار بل شارك فيها الشباب ، ولم يتخل الضعفاء المعذورون بل شاركوا الأقوياء .. وكان للمرأة نصيبُها من المبادرة ولم تكن قصراً على الرجال ، وإن مجتمعاً يُشارك جميع أفراده بالمبادرات الخيرة لمجتمعٌ خليق بالتقدير والبقاء .. ودونكم هذه النماذج للمبادرات .

فأبو بكر صِّديقُ الأمة ، وصاحبُ المبادرات في كل ميدان في الصدقة والجهاد، والصوم والصلاة .

وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خيرٌ ، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقةِ دُعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهلِ الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة وقال: هل يُدعى منها كلِّها أحدٌ يا رسول الله ؟ قال: نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر ) ) [2] .

إنها مبادرةٌ وطموح، وهمَّةٌ عالية تدعو أبا بكر للتفكير في الإسهام في مجالات الخير كلَّها، وإنما تجتمع أعمالُ البرِّ وأنواع المبادرات في عظائم الرجال كأبي بكر الصديق رضي الله عنه .

وفي صحيح البخاري ( كذلك ) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من يحْفرُ بئر رُومة فله الجنة ) )فحفرها عثمان رضي الله عنه ، وقال: (( من جهَّز جيش العسرة فله الجنة ) )فجهزه عثمان رضي الله عنه ( الفتح 7 / 52 ) .

أجل لقد ورد أن عثمان رضي الله عنه اشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألف درهم فجعلها للمسلمين ، وأن عثمان رضي الله عنه جهز المسلمين بثلاثمائة بعير وفي رواية أنه جاء بألف دينار في ثوبه فصبَّها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم حين جهز جيش العسرة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ماعلى عثمان مِن عملٍ بعد اليوم ) ) ( الفتح 7 / 408 ) أو (( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) ).

للهِ درك يا عثمان وكذلك فالتكن المبادرات في خدمة الإسلام والمسلمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت