الشيخ محمد صالح المنجد
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، و على آله و صحبه أجمعين، و على التابعين و من صار على هديهم إلى يوم الدين، أيها الإخوة، أيتها الأخوات، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، نحن نعيش في هذه الأيام -و لا شك- حالاً عظيمة، و كرباً شديداً، و تسلطاً من الأعداء كبيرة، و إذا تلفت في المسلمين وجدت الحالة لا تبعث على السرور، مما أصابهم من التردي في كثير من الأحوال، و لولا حديث {إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم} ، إذاً لقلنا لا فرج، و لكن الله رحيم يأتي بالفرج، و الناس فيهم رجاء، و في المسلمين خير، لكنه يحتاج إلى بعث، و لابد من العلاج لهذه الحالة. و من أمراضنا التي تحتاج إلى علاج: تبلد الإحساس. بعُد كثير من المسلمين عن دينهم، و أصابتنا الذلة لمّا تركنا الجهاد في سبيل الله، و تبايعنا بالعينة، و تعاملنا بالربا، و رضينا بالزرع، فسلط الله ذلاً لن ينزعه حتى نرجع إلى ديننا، و أصبح الحال كما قال الشاعر: نهارك يا مغرور سهوٌ و غفلةٌ و ليلك نومٌ و الردى لك لازمُ و شغلك فيما سوف تكره غِبهُ كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ لقد مات عند الكثير من الناس الشعور بالذنب، مات عندهم الشعور بالتقصير، حتى ظن الكثير منهم أنهم على خير عظيم، بل ربما لم يرد على خاطره أصلاً أنه مقصر في أمور دينه، فبمجرد قيامه ببعض الأركان و الواجبات ظن نفسه قد حاز الإسلام كله، و أن الجنة تنتظره، و نسي هذا المسكين مئات الذنوب و المعاصي التي يرتكبها صباحاً و مساء، من غيبة، و بهتان، و نظر لحرام، و شرب لحرام، و استماع لحرام، و لعب بالحرام، و أكل للحرام، و ترك لواجب، و فعل لمحرّم، و تأخر عن فريضة، و تهاون في حكم،، و هكذا من المعاصي و المخالفات التي استهانوا بها، و التي تكون سبباً للهلاك و الخسارة في الدنيا و الآخرة، فضلاً عن الكبائر، و الموبقات، و الفواحش، و الرشوة، و السرقة، و العقوق، و الكذب، و قطع الأرحام، و الخيانة، و الغش، و الغدر، و غير ذلك. إن هؤلاء المساكين الغافلين السائرين في غيهم قد أغلقت المادة أعينهم، و ألهتهم الحياة الدنيا عن حقيقة مآلهم، و إذا استمروا على ما هم فيه فلابد من حصول الندم، إذا لم يتوبوا إلى ربهم و لم يفيقوا من غفلتهم فإن العذاب ينتظر، أما و الله لو علم الأنامُ لِمَ خلقوا لما غفلوا و ناموا لقد خلقوا لِمَا لو أبصَرَته عيون قلوبهم تاهوا و هاموا مماتٌ ثم قبرٌ ثم حشرٌ و توبيخٌ و أهوالٌ عظامُ تبلد الإحساس ظاهرة عجيبة، التبلّد نقيض التجلّد، إنه ذل و استكانة، قال الفيروز أبادي: التبلد ضد التجلّد، و كذا قال ابن منظور، و الإحساس: العلم بالحواس، و في لسان العرب بليد الحس: ميت، و في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) (الأنعام 60) ، قال البيضاوي: ينيمكم و يراقبكم، سمي النوم وفاة لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس. هناك أناس عاشوا بحياة فيها أكل و شرب، لكن قلوبهم ميتة، الإحساس بالذنب، الإحساس بالتقصير غير موجود، الإحساس بما يصيب المسلمين مفقود، و هكذا تجد القلوب قاسية. إن لهذا التبلد في الإحساس مظاهر، و منها ما ذكره الله تعالى فيما عاتب فيه المؤمنين فقال (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ?) (الحديد 16) ، إستبطىء الله قلوب المؤمنين فعاتبهم بهذه الآية، و هكذا قسوة القلب بطول الأمد و بُعد العهد من النبوة و العبادة و الرسالة. أيها الإخوة، إن هذه الغفلة المستحكِمة و المسيطرة اليوم على الحال، لابد من علاجها، لابد من زوالها، إن هنالك بُعداً عن الدين، تبلد إحساس يعيشه البعض (يعيشون في عالم المنكرات و المحرمات، و ترك الواجبات) كثرة رؤية المنكرات يسلب القلب نور التمييز، و قوة الإنكار. المنكرات إذا كثرت على القلب لم يعد ينكرها، هذا التبرج، و هذا الاختلاط، و هذا الغناء، و هذا الفحش، و هذه الدعارة الفضائية، إن الخوف كل الخوف أن ينسلخ من القلوب كره المعصية و قُبحها، لأن المعاصي إذا توالت على النفوس، أنِسَتها و ألِفَتها و عاشت معها و تعايشت معها، و الواجب على كل مسلم و مسلمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، {ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا} (رواه أبو داود و هو حديث حسن) ، {والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم} . ما حال شبابنا؟ بناتنا؟ ما حال أسواقنا؟ ما حال بيوتنا يا عباد الله؟، هذا التبلد في الإحساس الذي