لما كانت الصلاة عبادة ربانية، وصلةً بين العبد وربه، يلتقي فيها العبد مع معبوده، والحبيب مع محبوبه، ولما كان من تعظيم الله سبحانه وتعالى تعظيم الصلاة، تأكّدَ التزينُ لها بالملبس والتطيب وغيرهما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وعلى هذا الطريق سار صالح الأمة صغارُهم وكبارُهم فلا ترى في سيرهم إلا كل حسن وجميل، وقد استمر هذا الأمر حتى خفت بعض العقول، وتأثرت بعض النفوس بقبيح المنقول مما قد يُشاهد ويسمع، فغلب الجهل وقلّ الفهم، ونُسي البعض حقيقةَ الأمر فتجد من الصغار من تأثر بالكبار فجاء إلى المسجد على أسوء حال في هيئته ورائحته متأثراً بمن حوله كأبيه وأخيه في عدم الإهتمام بشأن الصلاة والمصلين، فإلى هؤلاء الفئة نسوق جانباً من آداب صالحِ الأمة وفْق هدي المصطفى معتبرين بحالهم حتى يعلو شأنُ المسجد في النفوس، ويعظم أمر الصلاة في القلوب وترتقي جماعة المصلين إلى معالي الأمور فمن ذلك:
أولاً: أن التجمل من محبوبات الله سبحانه وتعالى، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول: (إن الله جميل يحب الجمال ) ( رواه مسلم ) وآكد الجمال ما كان عند مناجاة الله سبحانه وتعالى.
ثانيا: التبذل ورثاثة الملبس ليست من الإسلام، فقد رأى الرسول رجلاً عليه ثياب وسخة فقال: (أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه ؟) ( رواه أبو داوود وصححه الألباني ) لأن وسخ الثوب وكريه الرائحة ينفر الناس عنه، فمن كان على هذه الحال فقد آذى المصلين ونفّرهم عنه، فهل يعي أصحاب المهن، وأهل الثياب الرثة هذا الأدب الرفيع ؟
ثالثا: اختيار أحسن الثياب لصلاة الجمعة والعيدين: ففي الحديث ( من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيبٍ إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينةُ حتى يأتي المسجد ثم يركع ما بدا له، ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامَه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما ) ( رواه أحمد وصححه الألباني ) ولقصة عمر عندما عرض على الرسول حُلّة من حرير ليتجمل بها للجمعة ويستقبل بها الوفود، وهكذا يحرص الإسلام على انتشال المرء من كل ما يشينه فيضفي عليه ما يزينه ويحببه إلى الآخرين زارعاً المحبة والألفة بين أبناء المجتمع الإسلامي، وقد كان عبد الله بن عمر من أطيب الناس ريحاً، وأنقاهم ثوباً، هذه حال ابن عمر وكثير من الصحابة في مساجدهم وعند صلاتهم، وكان تميم الداري قد اشترى حُلة بألف درهم ليصلي بها، ممتثلاً قوله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قال أبو العالية رضي الله عنه"كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا"فإذا كانت هذه حالهم عند التزاور فيما بينهم، فهم عند الصلاة أجمل وأبلغ لعظم حق الله، وقال الشافعي رحمه الله"أُحِّب ــ الغسلَ والطيبَ والنظافةَ ــ للجمعة والعيدين وكلَّ مجتَمعٍ تجتمع فيه الناس"فهل هناك أعظم من الإجتماع للصلاة ؟ حيث إجابة نداء الحق، ويُروى أن الإمام أحمد رحمه الله من أنقى الناس ثوباً وأشدهم تعاهداً لنفسه وثوبه، وسئل إبراهيم النخعي رحمه الله ما ألبس من الثياب، فقال"مالا يُشهرك عند الناس، ولا يُحقرك عند السفهاء"
أيها الأحبة.. إن من دخل المسجد بلباس نومه، أو بلباس صنعته هل ترى سيَلقى الإحترامَ والتوقير، بل أنه عرَّض نفسه للنبز والإغتياب فرحم الله امرءاً كفّ نفسه عن الإغتياب، وأخيراً.. أسوق لكم حال الإمام مالك عند جلوسه لدرس الحديث وهي حال كثير من العلماء رحمهم الله تعالى ( كان رحمه الله يتهيأ ويلبس ثيابه وتاجه، وعمامته ثم يُطرِق برأسه فلا يتنخم ولا يبزق ولا يعبث بشيء من لحيته حتى يفرغ من القراءة إعظاماً لحديث رسول الله"هذه حاله مع حديث الرسول فكيف عند قرائته للقرآن ؟ وكيف عند وقوفه بين يدي الرحمن في الصلاة والقيام ؟"
أخي المسلم.. بعد هذا كله أظنك قد عرفت شأن المسجد وأهميةَ الصلاة عند أولئك الأفذاذ، فهل لنا أن نقتفي أثرهم ونترسم خطاهم لغرس شأن المساجد والصلاة في نفوس أبنائنا ؟ أم نترك الحبل على الغارب لأبنائنا، فتقَّلبهمُ المؤثرات وتعصفُ بهم التيارات المختلفة ؟ مما يجعلهم في عزلةٍ عن مبادئهم وأخلاقهم وآدابهم فيكونوا عبءً على أمتهم ومجتمعهم.
الوقفة السادسة والأخيرة:
مع أهل النفوس السليمة والعقول المستقيمة. إن إحياء أهمية الصلاة، ومكانةَ المسجد لدى الناس مسئوليةُ الجميع لا يمكن أن تُغرس في النفوس إلا بتظافر جهود المخلصين من مربين ومعلمين، ودعاة ومحتسبين، ويأتي هذا عبر الكلمة الصادقة، والتوجيه السديد والقصة المؤثرة، أما الحوافز المادية مع الصغار فهي ذات أثر عجيب، وصدق من قال:
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه
والنفس كالطفل إن تتركه شب على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
واللهَ أسأل أن يهدينا إلى أحسن الأخلاق والأعمال، وأن يجنبنا سيئها، إنه أهل الجود والإكرام وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه أجمعين.