إذاً فليس من العذر في ترك الجماعة يا مسلمون حب الراحة, والاسترخاء أو شرب القهوة والشاي ، أو مطالعة الصحف والمجلات ، أو استقبال الضيوف أو تودعهم ، بل ليس من العذر في ترك الجماعة ، قراءة القرآن أو الطواف بالبيت الحرام ، وأي عذر لهؤلاء ، وقد جاء الأعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . جاء يشكو بُعد داره ، ووعرة طريقه ، وفقدانه لقائد يلائمه, ويسأل رخصة أن يصلي في بيته ، فيقول له الرؤوف الرحيم أتسمع النداء قال نعم ، قال: أجب فإني لا أجد لك رخصة ! أفتكون الرخصة إذاً لذوي السمع الرهيف ، والبصر الحاد ، أفتكون الرخصة لمن أحاطت بهم المساجد من كل جانب ، وذللت لهم الطرق ، وعبدت لهم الشوارع ، سبحانك هذا بهتان عظيم .
فاتقوا الله أيها الزاهدون في الجماعة ، وتذكروا أحوال أسلافكم ، وكيف كانوا شديد الاهتمام بها ، عظيم الخوف عليها ، تذكروا موقف الخليفة الشهيد ، عثمان رضي الله عنه ، وقد حاصره السبئيون في المدينة ، يطلبون دمه ، ويمنعونه من إمامة الناس ، فلا يمنعه حصارهم إياه ، وظلمهم له ، وخروجهم عليه من الصلاة خلفهم حرصاً على الجماعة ، وإبراءً للذمة عند البخاري من حديث عبيد الله بن عدي أنه دخل على عثمان وهو محصور ، فقال له يا إمام: إنك إمام عامة ، ونزل بك ما نرى ، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج ، فقال رضي الله عنه: الصلاة أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم ، وإذا أساءُوا فاجتنب إساءتهم ،
أيها المسلمون: لقد آن الأوان أن نعيد النظر في أوضاعنا ، ونصحح مفاهيمنا وأخطاءنا ، ونقّوم سلوكنا وتصرفاتنا ، فنحن أمةٌ خُلقت لتكون قائدة ، ووجدت لتكون رائدة ، والقيادة والريادة لا تحصلان لأمة ، ما زالت تناقش أعظم شعائر دينها ، هل هي واجبة في الجماعة أم لا ؟ وهي مسألة محسومة منذ زمن طويل ، محسومة في كتاب الله وسنة نبيه ، بكل إشراقةٍ ووضوح ، فلماذا يصر أقوامٌ على الجدال بالباطل ، والمدافعة بغير الحق ، جرياً وراء بعض شذ وذات بعض الفقهاء ، وموافقة لدواعي النفس والهوى .
ألا إنها دعوةٌ إلى عمارة بيوت الله بالذكر, والتسبيح, وصلاة الجماعة ، ألا إنها دعوةُ إلى الجنة ، فوق مراكب من التقى, والعمل الصالح ، والتوبة النصوح ، والله غالبٌ على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون .
[1] رواه أبن حبان (1454) عن عبد الله ابن بريده عن أبيه .
[2] رواه الإمام مسلم (82) من حديث أبي سفيان رضي الله عنه .
[3] رواه البخاري ( 1092) من حديث سمرة بن جندب t .
[4] رواه أبو داود (548) من حديث أبي هريرة َرضي الله عنه .
[5] رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) ) (الأحزاب:70-71) ، أما بعد:
فاعلموا أيها الإخوة أن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ن وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
أيها الإخوة في الله: نستقبل في هذه الأيام موسم الحصاد العلمي لأبنائنا وبناتنا ، ولإخواننا من طلاب العلم ، اسأل الله تبارك وتعالى أن بجعل ما يتعلمونه عونًا لهم على طاعة الله ، وبصيرة لهم في دينهم ، ورفعة وعزة لأمتهم الإسلامية ، كما اسأله تعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه ، وأن يرزقنا جميعا التوفيق والنجاح في الدنيا والآخرة .
أيها الإخوة في الله: إن طرائق الدراسة والامتحانات مما أطبقت عليه في الجملة الأمم كلها ، مؤمنها وكافرها ، فما الذي يميز أمة الإسلام في هذا العلم على مختلف فروعه وتخصصاته ؟
أن العلم في منهاج الإسلام قسمان:
علم شرعي: عماده الكتاب والسنة ، والإجماع وأقوال سلف الأمة ، وهذا العلم مما تميزت به أمة الإسلام في كونه علم عقيدة وشريعة تشمل جميع نواحي الحياة ، وفي كونه علم نابع من مصادر صحيحة ثابتة لا يتطرق إليها شك ، ولم يدخلها تحريف ولا تأويل ، لأن الذي جاء بها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، ولأن الله تكفل بحفظ كتابه ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ البلاغ المبين ، فبلغ ووصلت إلينا سنته صلى الله عليه وسلم ، بجهود علماء الإسلام قديما وحديثا ، وهذه العلوم التي تميزت بها أمة الإسلام: تختلف جذريا في هذا الباب عن علوم وكتب أله الكتاب المحرفة ، فضلا عن علوم الأمم الأخرى الوثنية ، هذا هو القسم الأول الذي تميزت به أمة الإسلام ، وبه تفخر ، وبه عزتها ، وبتطبيقه والعمل به رفعتها ، إنه العلم الشرعي الذي لا يكون لأحد من أهل الأرض مثله إلا أن يؤمن بما آمنوا به ويتبع سبيلهم.
أما القسم الثاني: فهو بقية العلوم غير الشرعية: العلوم المادية التي تتساوى فيها أمم الأرض متى ما أخذت بأسبابه ، وهذه العلوم لابد فيها في منهاج الإسلام من أمرين حتى يتحول هذا العلم إلى علم مطلوب في أمة الإسلام:
أحدهما: أن يكون هذا العلم مفيدًا غير ضار ، وبهذا تخرج العلوم الضارة أو العلوم التي لا فائدة منها على الإطلاق ، لأن الانشغال بها مضيعة للوقت ، إن لم تكن مضرة .