فهرس الكتاب

الصفحة 8164 من 9994

كما أخرج عن ابن عمر أنه كان يصلي مع الحجاج, فلما أخر الحجاج الصلاة ترك الصلاة معه) .

وهذه آثارٌ عن السلف ، تبين شدة حرصهم على أداء الصلاة في وقتها ، بالرغم من شدة بطش الوليد ، والحجاج بن يوسف الثقفي, الذي كان يسفك الدم الحرام ، كان يسفك الدم الحرام بمجرد الشبهة, فالحالة النشاز التي كان يصنعها بنو أمية ، لم تجعل فقهاء السلف وعلمائهم لم تجعلهم يوافقونهم في شذوذهم ذاك ، ولكنهم حرصوا كل الحرص ، واجتهدوا غاية الاجتهاد ، في حفظ صلواتهم وصونها ورعايتها ، مع أن حرصهم ذاك ، كان سيكلفهم حياتهم وأرواحهم .

فأين المؤخرون اليوم للصلاة ! أين هم عن تلك القمم السابقة ، والقدواة النادرة ، بل أين هم عن غيرة عمرَ يوم الخندق ، يوم جاء مغضبا حزينا مهموما مغموما ، يسب المشركين ، ويقول يا رسول الله: ما كدتُ أصلي العصر حتى غربت الشمس ، أين هؤلاء من غيرة عمر هذه ، أما يسأل الواحد منهم نفسه ؟ تُرى ما الذي أهمه ؟ ما الذي أغمه ؟ ما الذي أضاق صدره ؟ وكدر خاطره ؟ وأحزن قلبه ، وألهب فؤاده ؟ ثم ما الذي جعله يؤخر الصلاة عن وقتها أهو مشغول بسقي حديقة منزله ، أم لأنه مشغول بإصلاح عطل في سيارته ، أم لأنه مشغولٌ محرج بضيفٍ ثقيلٍ يتناول الشاي في مجلسه ، والجواب حاشا لله أن تحول أمور تافهة كهذه ، بين الفاروق وبين أداءه الصلاة ، في وقتها المعتاد المشروع ، ولكن شُغله الذي شغله هو الجهاد في سبيل الله, والدفاع عن مدينة رسول الله ، ومع ذلك فهو مغضب محزون ، مهموم مغموم ، فقد كان حب الصلاة وحرصه عليها يجري في دمه ، وينبض مع عروقه ، أليس هو الذي يطعن بخنجر أبي لؤلؤة المسموم, فيُحمل إلى بيته بين الحياة والموت, فيقولون يا أمير المؤمنين: الصلاة الصلاة ، فيقول نعم الصلاة لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، لم ينس المسلمون الصلاة ولم ينسها عمر مع شدة الكرب, وهول الفجيعة .

وإن تعجب أخي المسلم ! تعجب من مواقف عمر هذه ، فعجبٌ موقف ابن الزبير والحجاج محاصر له في البيت الحرام ، ويتخلى عنه أكثر أعوانه ، فلا يمنعه ذلك من النهوض إلى مصلاه في كل وقت غير مكترث أو مبالٍ بعدوه الحقود ، الذي كان يطلب حياته بأي ثمن ، حتى لو أحرقت الكعبة ، وسالت أروقة المسجد الحرام دماً زكيا ، ولعمر الحق ما ترك ابن الزبير صلاة واحدة في وقتها طيلة حصار الحجاج له ، حتى هوت عليه قذيفة ألزمته الأرض بعد ذلك ، لقد كانوا يقدرون الصلاة حق قدرها ، ويرعونها حق رعايتها ، ويؤدونها في أوقاتها ، مهما أدلهم الخطب ، وتأزمت المواقف ، ولماذا لا يؤدونها في أوقاتها وصوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلجل في آذانهم ، ويصول في قلوبهم, وهو يقول: كما عند البخاري من حديث بريده: (( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) ).

فرحماك يا إلهي! من ترك صلاة واحدة حبط عمله ، فكيف بمن يؤخر صلاتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة كل يوم .

فاتقوا الله يأمن تؤخرون الصلاة عن وقتها, وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ، فاستيقظوا من سباتكم يا هؤلاء ، وأفيقوا من أحلامكم ، واعتقوا رقابكم من غضب الله وناره وجحيمه ونكاله .

وأما النائمون عن صلاة الفجر والعصر خاصة ، فعند البخاري وأحمد من حديث سمرة قال عليه الصلاة والسلام في حديث الرؤيا الطويل ، (( أتاني الليلة آتيان ، وإنهما ابتعثاني ، وإنهما قالا لي انطلق ، فانطلقت معهما وإنَّا أتينا على رجلٍ مضطجعٍ ، وإذا آخر قائمٌ عليه بصخرة ، وإذا هو يهوي بالصخرة على رأسه ، فيثلغ رأسه ، ثم يتبع الحجر فيأخذه ، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود إليه فيفعل به مثل ما فعل به في المرة الأولى ، وفي آخر الحديث: أُوّل لرسول الله r ، هذا الذي يضرب رأسه بالصخرة ، فقيل هو الرجل يأخذ القرآن فيرفضه, وينام عن الصلاة المكتوبة ) ) [3] .

أرأيت ، أرأيت يا من تنام عن صلاة الفجر, ويا من تنام عن العصر أرأيت ما ينتظر من العذاب ، وأنت غافل لا هي ، لا تدري ماذا يراد بك ، وماذا يهيأ لك ، فاتق الله وألق عن نفسك الكسل والخمول .

فالمسألةُ ليست أحاديث صبيان, ولا ألاعيب مراهقين ، ولكنها جدٌ ورب الكعبة ، وإنّ غداً للناظره قريب .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين .

أما بعدُ أيها الناس: فأما الصنف الثالث من الناس فهم أقوامٌ حريصون كل الحرص على أداء الصلاة في أوقاتها بكل حماسٍ وإصرارٍ لكن حماسهم يخبُ, وإصرارهم يضعف عن أداء الصلاة مع جماعة المسلمين في المساجد ، فإبراءً لذمتنا, وإخلاءً لعُهدتنا أمام الله نسوق إليهم هذه الأدلة الثابتة, والحجج الراسخة ، التي تؤكدُ وجوب صلاة الجماعة في المساجد ، وأن من يظن غير هذا فهو يعيش وهماً كبيراً ، ويرتكب خطأً فادحاً وفي مقدم تلك الأدلة وأبلغها أثراً ما أوجبه الله تعالى على المجاهدين وهم يخوضون غمار المعركة في أحلك ساعاتِ النزال ، ما أوجبه الله عليهم من لزوم الجماعة ، فهو القائل جل وعلا: (( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ) ) (النساء: من الآية102) .

أرأيت أيها المبارك: أرأيت كيف فرض الله الجماعة في أحلك الظروف, وأحرج المواقف ، طائفة تصلي ، وأخرى تحرس ، ثم تتغير المواقع ، فالتي كانت في الصلاة تنتقل للحراسة ، والتي كانت في الحراسة تنتظم في الصلاة جماعة ، كل ذلك والعدو متربص متحفز قد أقبل بخيله ورجله ، وقضه وقضيضه .

تأمل أيها الأخ الكريم ، بعين الإنصاف والتجرد ، كيف أوجب الله الجماعة في تلك الظروف العصيبة ، حيث تخضبت السيوف بدمائها ، وتطايرت الرؤوس عن أعناقها ، فكيف يكون الحال ، كيف يكون الحال إذاً للآمنين في بيوتهم ، المطمئنين بين أهليهم وذر أريهم ، ندع الإجابة لك أيها اللبيب ، ولا نحسبك إلا منصفاً ، تقول الحق ولو على نفسك ، أما الحديث المتفق على صحته ففيه يقول عليه الصلاة والسلام: (( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة ، - يعني لا يشهدون الجماعة- فأحرق عليهم بيوتهم في النار ) ) [4] .

وجاء بصيغة أُحرق لإفادة التكثير والمبالغة ، يا سبحان الله! رسول الله الذي وصفه ربه بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم, يهم بإحراق البيوت على أهلها حين تخلفوا عن الجماعة ، فأي شيء يدل عليه ذلك ، إلا كونها واجبة متعينة في المسجد ، وأن أدائها في البيوت ذنب عظيم ، وجرم خطير ، وخطأ فادح بكل المقاييس ، كيف لا وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً (( من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر ) ) [5] .

رواه أبي داود وابن حبان (( قالوا يا رسول الله وما العذر ؟ قال: خوف أو مرض ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت