فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إعداد/ محمد عبد العليم الدسوقي
موافقة اعتقاد السلف لمعتقد الأنبياء
في قصرهم التفويض على الكيف
من الأمور الثابتة والمقطوع بها والتي ينبغي معرفتها عن السلف الصالح والعلم بها، تضافرهم على إثبات الصفات وإدراكهم لمعانيها، وتعني عبارة إثبات السلف لصفات الله: التعرف على كل ما جاء منها في القرآن الكريم وصحيح السنة، والوقوف من ثَمَّ على معناها والعمل بمقتضاها وفهمها على ما تقتضيه قواعد اللغة وأصول الدين ومبادئ الشريعة، وذلك بالإيمان بها ونسبتها جميعًا إلى الله على النحو اللائق به من غير تكييف ولا تشبيه، وبإثباتها كلها إثباتًا بلا نفي ولا تعطيل، إعمالاً لقوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] ، إذ يفاد من قوله: ليس كمثله شيء نفي تشبيهها بصفات الخلق باعتبار أن الكلام عن الصفات متفرع عن الكلام في الذات، ومن قوله: وهو السميع البصير النهي عن نفي أي منها أو تعطيله لدلالة صحيح المنقول وصريح المعقول على أن إثباتها على النحو اللائق به، كدلالتهما على سمعه تعالى وبصره تمامًا دون ما تَفْرِقَة، لا من قِبل العقل ولا من جهة السمع.
ففي النسق الكريم رد صريح على أصحاب التجهيل من فرق المعطلة والنفاة والمفوضة الذين أخذوا هذه الآية الكريمة وجعلوها مستندًا لهم في رد الأحاديث الصحيحة، فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم وما وضعته خواطرهم وأفكارهم- ردوه بـ ليس كمثله شيء، تلبيسًا منهم وتدليسًا على من هو أعمى قلبًا منهم وتحريفًا لمعنى الآي عن مواضعه، ففهموا من أخبار الصفات ما لم يُرِدْه الله ولا رسوله، ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام، أن إثباتها يقتضي التمثيل بها للمخلوقين! ثم استدلوا على إبطال ذلك بـ ليس كمثله شيء، ويصنفون الكتب ويقولون: هذا أصول دين الإسلام الذي أمر الله به وجاء من عنده، ويقرءون كثيرًا من القرآن ويفوضون معناه إلى الله تعالى من غير تدبر لمراده الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه معناه الذي أراده الله، وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث، وقص ذلك علينا من خبرهم لنعتبر وننزجر عن مثل طريقهم فقال تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون [البقرة: 75] ، إلى أن قال: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون [البقرة: 78] ، والأماني: التلاوة المجردة.
وهؤلاء الذين يتحدث عنهم هنا شارح الطحاوية الإمام ابن أبي العز من أصحاب التجهيل واللاأدرية، الذين يقولون: لا ندري معاني الصفات وينسبون طريقتهم إلى السلف، ويقول المتأولون عنها إنها هي الأسلم، ويجعلونها من المتشابه، ويحتجون لذلك خطأ بقوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله ويقولون: بأن هذا هو الوقف التام عند جمهور السلف... يشخص ابن القيم ماهيتهم ويكشف لنا عن حقيقة أمرهم ويلخص من خلال كلامه عنهم عور فكرهم وخطأ تصورهم فيشير إلى أن أصحاب هذا الفكر هم الذين قالوا: إن نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يُدْرَى ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرؤها ألفاظًا لا معاني لها ونعلم أن لها تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة «كهيعص» و «حم عسق» و «المص» ، فلو ورد علينا منها ما ورد، لم نعتقد فيه تمثيلاً ولا تشبيهًا ولم نعرف معناها وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله تعالى، وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يفهمون معنى قوله: لما خلقت بيدي [ص: 75] ، وقوله: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [الزمر: 67] ، وقوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ، وأمثال ذلك من نصوص الصفات، وبنوا هذا المذهب على أصلين:
أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه، والثاني: أن للمتشابه تأويلاً لا يعلمه إلا الله. فنتج عن هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات المتعلقة بالصفات ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما أريد به، ولازم قولهم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، ثم تناقضوا أقبح تناقض فقالوا: تُجْرَى على ظواهرها وتأويلها بما يخالف هذه الظواهر باطل، ومع ذلك فلها تأويل لا يعلمه إلا الله، فكيف يثبتون لها تأويلاً ويقولون تُجْرَى على ظواهرها؟ ويقولون الظاهر منها مراد، والرب منفرد بعلم تأويلها؟ وهل من التناقض أقبح من هذا؟