وهؤلاء غلطوا في المتشابه، وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله، فأخطأوا في المقدمات الثلاث واضطرهم إلى هذا: التخلص من تأويلات المبطلين وتحريفات المعطلين وسدوا على أنفسهم الباب، وقالوا لا نرضى بالخطأ ولا وصول لنا إلى الصواب، فتركوا التدبر المأمور به والتعقل لمعاني النصوص، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك، وظنوا أنها أنزلت للتلاوة والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر فيها، وأولئك فضلاً عن كونهم قد جعلوها عرضة للتأويل والتحريف فإن قولهم يستلزم أن يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا أصحابهم ولا التابعون لهم بإحسان بل يقرءون كلامًا لا يعقلون معناه.
[مختصر الصواعق المرسلة ص62، 63، 123]
والحق أن الأمر على خلاف ذلك، فقد انبنى منهج السلف في الصفات على الإثبات الذي لا يتأتى إلا بفهم معانيها الواردة في آيات القرآن وأحاديث السنة، «ولو كان معناها غير مفهوم لهم لما صح من سلف هذه الأمة الإثبات إذ كيف يثبتون شيئًا لا يعقلون معناه؟ غاية الأمر أنهم لم يكونوا يبحثون فيما وراء هذه الظواهر عن كنه هذه الصفات أو كيفية قيامها بذاته تعالى» . [ابن تيمية السلفي: د. هراس ص49] ، لكون ذلك مما استأثر الله بعلمه ولكون الكلام عن الصفات- كما سيأتي- فرع عن الكلام في الذات.
ومن المحال أن يكون صلوات الله وسلامه عليه قد علم أصحابه آداب الغائط وآداب الطعام والشراب، دون أن يعلمهم ما يقولون بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف وعبادته وحده أقرب الوسائل والوصول إليه أتم المطالب، كما أنه من المحال أن يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه وينزل عليه: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة:3] ، ثم يترك هذا الباب الذي يعد لب التوحيد ومحط نظر شريعة الإسلام وأساس العقيدة، لشموله على نوعي التوحيد الآخرين: الألوهية والربوبية، لكوننا بأسمائه الحسنى نتذلل له ونعبده على ما جاء في قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وبصفاته العلى ندرك حكمته وقدرته.
فلا يميز ما يجوز نسبته إليه وما لا يجوز مع حضه على التبليغ عنه بقوله: «ليبلغ الشاهد الغائب» ، حتى نقلوا أقواله وأفعاله وأحواله وصفاته وما كان بحضرته، بل ومع قوله: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» . [أحمد 4/126، وابن ماجه 43، والحاكم 1/96]
وقوله: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم» . [مسلم 1844، وأحمد 2/161، 191، والنسائي 7/153، وابن ماجه 3956] ، وقول أبي ذر: «لقد توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا» .
[مجمع الزوائد 8/263، 264]
وقول عمر: «قام فينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مقامًا فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظ ونسيه من نسيه» . [ذكره البخاري 3192]
فدل على أنهم اتفقوا على معرفة ما جاء عن الله من صفات، تمامًا كما اتفقوا على الإيمان بأنها واجبة له تعالى على الوجه الذي أراده منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى: ليس كمثله شيء، فمن أوجب خلاف ذلك فقد خالف سبيله صلوات الله وسلامه عليه وسبيل أصحابه. [فتح الباري 13/333]